بصر النبي صلى الله عليه وسلم

أيها الإخوة المؤمنون.. مازلنا في رحاب صفات المصطفى صلى الله عليه وسلم، نقتنص منها الفوائد في هذا الشهر المبارك، شهر مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد وعدنا أن نتحدث عن حواس المصطفى عليه الصلاة والسلام، وتحدثنا عن حاسة السمع، والحديث اليوم إن شاء الله تبارك وتعالى عن حاسة البصر، وعيني المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

وقد جاء في صفة المصطفى صلى الله عليه وسلم بادئ ذي بدء، أنه (كان أدعج العينين) والدَّعَج في العينين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض البياض، والعين لا تخلو من بياض وسواد، وللنبي في ذلك مداعبة لطيفة لامرأة جاءت تشتكي زوجها، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: (أذلك الذي في عينيه بياض؟) قالت: لا والله، ما في عينيه بياض يا رسول الله!. قال: بلى، إن في عينيه بياضاً. فرجعت إلى البيت، فجاء زوجها في المساء، فجعلت تحدق في عينيه، فقال لها: ما شأنك؟ فأخبرته الخبر، قالت: خرجت إلى رسول الله أشتكيك، فأخبرني أن في عينيك بياضاً!. قال لها: ويلك! وهل تخلو العين من بياض وسواد؟! فكانت تلك المداعبة من النبي صلى الله عليه وسلم سبباً في الإصلاح فيما بين الزوجين. فالعين لا تخلو من بياض وسواد، والجمال في العين شدة سواد العين مع شدة بياض العين.

وقد وُصف النبي عليه الصلاة والسلام بأنه كان أحسن الناس على الإطلاق، وُصف النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال سيدنا علي رضي الله تعالى عنه: (ما رأيت قبله ولا بعده مثله) فهو أجمل خلق الله على الإطلاق، ولا شك أن جمال العيون من أعظم صفات أو مظاهر الجمال، والعرب تعنى بوصف العيون؛ لأن أول ما يلقاك من الرجل عيناه، ثم بعد ذلك وجهه، فالجمال يجتمع في الوجه، وجمال الوجه يجتمع في العينين، ولذلك يقول الناس في الأمثال العامية: (العين مغرفة الكلام) فإذا توجهت إلى رجل، أول ما تنظر إليه تنظر إلى عينيه، وتغزل العرب في العيون قديماً وحديثاً، فجمع الله تبارك وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام جمال العينين وقوة الإبصار، وهذا أول وصف: الدَّعَج.
والوصف الثاني: أنه عليه الصلاة والسلام (كان أشْكَلَ العين) والشَّكَل في العين فُسِّر بتفسيرين: حمرةٌ قليلةٌ في أطراف العينين تخالط هذا البياض من طرفيه. هذا هو التفسير الأول، وهو يزيد العين جمالاً. والتفسير الثاني أن الشَّكَل في العين [المصدر: الشَّكَل، والصفة: أشْكَل] إنما هو طول شق العين، وهو من صفات الجمال، بدَل أن تكون العين مدورة محدودبة، يكون شق العين من جهة اليمين ومن جهة اليسار طويلاً، وهكذا كانت عينا المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وُصف عليه الصلاة والسلام أنه (كان أسود الحدَقة) وُصف النبي عليه الصلاة والسلام بأنه (كان مُشْرَب العين بحُمرة) والمُشْرَب عند العرب هو الذي يخالط بياضَه حُمرةٌ، ولذلك وُصف جسد النبي عليه الصلاة والسلام بأنه كان مشرباً، أي: كان بياضه بياضاً فيه حمرةٌ لطيفةٌ تُغير أو تُزيل شِدة البَهَق في البياض. ولذلك وصف النبي عليه الصلاة والسلام: (لم يكن بالأمهق) الشديد اليباض جداً الذي تنبو عنه العين، وهذا هو المراد في صفة العين بهذه الحمرة اليسيرة، التي كانت في العين لكي يعتدل ذلك البياض، فلا يكون بياضاً مؤذياً يخرج عن الحد المعتاد، لأن في كل لون من الألوان حداً معتاداً يبلغ فيه درجة الحُسن، فيُدخل السرورَ على الناظرين، وحداً آخر في أقصاه يسوء العين ويُدخل على النفس الهم والغم عند النظر.

والعين لا تكمل -أيها الإخوة- إلا بما يحيط بها، فمما يحيط بالعين: الأهداب، يسمونها: (الرموش)، أهداب العين قد جعلها الله تبارك وتعالى وقاية للعين من الغبار، وقاية للعين من الحشرات التي يمكن أن تقع على العين، كما جعلها الله تبارك وتعالى زيادة في الجمال. وجمال العين كما تعرفون بطول الأهداب، ولذلك يشتغل النساء بتزيين العين بالأشياء الصناعية، وينفقون في ذلك الأموال، وهذا مما ينبغي البحث فيه عن الأحكام الشرعية، لأن وصل الشعر بشعر آخر لا يجوز، ولا يجوز تركيب هذه الحواجب الاصطناعية، ولا يجوز تركيب هذه الأشفار الاصطناعية، فينبغي البحث في هذه الأحكام، وقد لعن الله تبارك وتعالى الواصلة والمستوصلة، والنامِشة والمُتَنَمِّشة، كما جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام المتفق عليه عند البخاري ومسلم، ففعل ذلك من الكبائر. وُصف النبي عليه الصلاة والسلام بأنه (كان أهدَب الأشفار) والهَدَب: المصدر، والصفة: أهْدَب. والهدب في الأشفار طول الأشفار، فكانت أشفار عينيه -أي: رموش عينيه- طويلة خِلقةً خلقه الله تبارك وتعالى بها.

ثم من بعد ذلك، جعل الله تبارك وتعالى زينة العينين تحت الجبين الحاجبين، وتعرفون كم يشتغل النساء بزينة الحواجب، وكيف تغيرت الأحوال من عصر وزمان إلى عصر وزمان، كانت النساء يُمتدَحْن قديماً بعِظَم الحواجب وغِلَظ الحواجب، فتغيرت الأحوال، وصارت النساء الآن يرقِّقْنَ الحواجب، أو يُزِلْنَ الحواجب ويُخَطِّطْنَ مكانها خطاً بالرسوم والألوان، وهذا مما لا يجوز شرعاً، لا يجوز شرعاً إزالة الحواجب ونَمْشُ ذلك الشعر، ولا يجوز رسم ذلك الخط بالألوان، فينبغي التنبه لهذا الحكم الشرعي.

حاجبا المصطفى صلى الله عليه وسلم كانا تامين كاملين، يظن الإنسان أنهما قد اقترنا، لكن في غير قَرَن، فلم يكونا متصلين عند الأنف، وإنما كان كل حاجب يبتدئ من مكانه ثم ينتهي في قوس بديع جميل، هكذا خلقه الله تبارك وتعالى، (أَزَجَّ الحواجب) هذا هو الزَّجَج، الزَّجَجُ في الحواجب تقوُّس الحواجب من الخلقة، وكانت حواجب المصطفى عليه الصلاة والسلام (سوابغ في غير قرَن) أي: تامة، لكن في غير قَرَن؛ لأن ذلك لا يحسن عند النظر في مراتب الجمال، والسابغ: الكامل، والدروع السابغات: الدروع التي تغطي الجسم كله. (بينهما عرق يُدِرُّه الغضب) أي: لا يتصلان، كان له عرق يدره الغضب: أي يملؤه بالدم إذا غضب النبي عليه الصلاة والسلام، وما كان يغضب لنفسه، وإنما كان يغضب لله، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه شيء، فإذا غضب لله احمر وجهه وانتفخت أوداجه، أي: امتلأت عروق الدم في رقبته وفي وجهه عليه الصلاة والسلام، وامتلأ ذلك العرق الذي في منتصف الجبين فوق الأنف.

ثم جاء في صفة النبي عليه الصلاة والسلام أنه وُلِد أكحل العينين، يقول سيدنا جابر بن سَمُرة رضي الله تعالى عنه: (وكنتُ إذا نظرتُ إليه قلتُ: أكحلُ العينين، وليس بأكحل) ويُقرأ الحديث: (وكنتَ إذا نظرتَ إليه قلتَ: أكحل العينين، وليس بأكحل) الكُحل جمال وزينة ودواء وشفاء، وهو من السنن النبوية التي ماتت أو أميتت، وبقيت للنساء دون الرجال، وقد جاءت الأحاديث المتواترة في الحث على استعمال الكحل، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (اكتحلوا بالإثمد، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر) ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن خير أكحالكم الإثمد) ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا اكتحل أحدكم فليوتر) وكان يكتحل عليه الصلاة والسلام تشريعاً للسنة النبوية، لكن كان عليه الصلاة والسلام يظهر موضع الكحل في جفنيه بغير كحل، لأنه ولد عليه الصلاة والسلام أكحلاً، فلا عجب ولاغرو أن جعله الله تبارك وتعالى أيها الإخوة خير خلق الله. ويقول بعض الصحابة في وصف النبي عليه الصلاة والسلام في عبارة نادرة (وكان في أشفاره وَطَف) والوَطَف هو طول الأشفار، وهذه صفة نادرة جاءت في شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم.

هذه هي الخِلقة، بالله عليكم الذي يرى رجلاً بهذا الجمال ألا يحبه؟ الذي يرى رجلاً بهذا الكمال وهذا الحُسْن، ألا يميل إليه بقلبه ووجهه؟ ألا يُسَر برؤيته؟ ألا يتبعه من مكان إلى مكان؟ ذكرنا لكم قصة نصر بن الحجاج الذي كان من أجمل الرجال في عصره، وكانت النساء يفتتن به، فنفاه سيدنا عمر من المدينة المنورة! أخرجه لافتتان النساء به إلى مكان لا يعرفه فيه أحد! فإذا عرفنا جمال المصطفى عليه الصلاة والسلام أفلا يجب علينا أن نتعلق به؟!.

وأنا أقول هذا لمن يحب التعلق بالمظاهر الخارجية، الناس على مراتب، من الناس من يتعلق بالحكمة والمنطق والفصاحة والشريعة والخلق. من الناس من يتعلق بالهدى واليقين والإيمان والإخلاص. ومن طلب ذلك وجده عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يجد خيراً منه عند سواه. لكن من الناس من يتعلق بجمال الصورة، يقف عند المظاهر الخارجية، وهذا شأن عامة الناس، فمن أجل ذلك ما بعث الله تبارك وتعالى نبياً إلا وبعثه في أبهى آيات الجمال، وبعث الله تبارك وتعالى نبينا عليه الصلاة والسلام فجعله أحسن الناس وأجمل الناس، لأن رسالته باقية إلى يوم القيامة، لا يضرنا أننا لم نره عليه الصلاة والسلام، لأن الوصف نقل بالتواتر أيها الإخوة،

وإذا لم تر الهلال فسلم=لأناس رأوه بالأبصار

إذا أُخبرتَ الآن عن ممثل أو ممثلة أو رجل قيل لك إن جماله في هذا العصر بديع، عامة الناس من أهل الدنيا يسعون إلى النظر إلى ذلك الرجل أو إلى تلك المرأة، وإن كان النظر حراماً إلى النساء الأجنبيات غير المحارم، عامة الناس إذا سمع أو هوي جمالاً خارقاً بديعاً يحب النظر إليه، فكيف إذا سمعت بجمال المصطفى صلى الله عليه وسلم وحسنه؟!، أفلا يدعوك ذلك إلى التعلق به صلى الله عليه وسلم، والبحث عن صفاته وشمائله للاقتداء به والاتساء به؟! وترون ما يحدث في بلاد الشرق والغرب من افتتان الشباب بالمشاهير من الممثلين والمغنين، وقص الشعر على طريقة تلك القصة، ولبس الثياب على طريقة تلك الثياب، وما أريد أن أذكر الأسماء فهذا المقام أجل وأسمى وأعظم من أذكر فيه أسماء كفار ملاعين، أو أسماء أناس تافهين، لكن هذا حال الناس في الشرق والغرب، وهذا حال شباب المسلمين، وبخاصة في بعض هذه الأحياء، التي يفتتن الناس فيها بالثقافات الغربية،لم يترك لنا رب العزة سبحانه وتعالى وجهاً من وجوه الكمال إلا وجمعه في النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة من أوصاف الحسن والجمال إلا وآتاها نبينا عليه الصلاة والسلام، فينبغي لتا أن نفتخر بأنه رسول الله إلينا، وينبغي أن نسعد بأنه عليه الصلاة والسلام هو حبيبنا ونبينا وشفيعنا وقدوتنا وأسوتنا، فلنتغزل بجماله عليه الصلاة والسلام، ولنفتتن بمحاسنه عليه الصلاة والسلام، لا غرو ولا ضير ولا عجب في ذلك.

هذه خلقة العين أيها الإخوة، أما بعد ذلك: الحاسة التي وضعت في تلك العين، يغيب عن بعض الناس قوة بصر النبي عليه الصلاة والسلام، وما آتاه الله تبارك وتعالى من معجزات في بصره، ميزته عن سائر البشر، وأنا ألخص هذا كله في بيت بديع:
محمدٌ بشرٌ (لكن تابع..) وليس كالبشر=بل هو ياقوتة والناس كالحجر

لو أردنا أن تقارن بشريتنا ببشرية المصطفى عليه الصلاة والسلام، لرأينا الفرق بيننا وبينه كالفرق فيما بين الثرى والثريا، كالفرق فيما بين الحجر والذهب والدر والياقوت والجوهر، الإنسان الواحد منا يرى بعينين أمامه عند توجه البصر إلى الشيء، يرى الشيء في زاوية محددة، لكن النبي عليه الصلاة والسلام آتاه الله تبارك وتعالى القدرة على الإبصار في جميع الجهات، وهذا الكلام ليس بغريب عن كتب الصحاح، ففي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل ترون قبلتي ههنا؟ فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري) وكأن النبي عليه الصلاة والسلام صار كله أعيناً، فيرى من أمام ويرى من خلفه، الله تبارك وتعالى جعل قوة الإبصار بالعين، لكن لو أراد الله تبارك وتعالى أن يجعل قوة الإبصار في اليد لقدر على ذلك، قدرة الله واسعة، وهذا من الممكنات، نعم سبب الرؤية إنما هو العين، لكن المبصر في العين إنما هو الروح، والمدرك في الإنسان إنما هو الروح، والدليل على ذلك أن الإنسان إذا مات بقيت عيناه كما هما، ولا يرى شيئاً، وبقيت أذناه كما هما، ولا يسمع شيئاً، وبقي جسده كما هو، ولا يحس بشيء.
فالمدرك في الإنسان إنما هو الروح، فإذا أراد الله تبارك وتعالى خلق قوة الإبصار في عضو آخر خلقه، كما حدث لسيدنا موسى لما جعل الله تبارك وتعالى يده بيضاء فأنارت له، وكما حدث ذلك لبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما خرجا من عنده عليه الصلاة والسلام، فكان لكل واحد منهما في يده مصباح يضيء له، ثم افترقا فصارت يد كل منهما مصباحاً يضيء له.
لذلك لا غرابة أن نجد الأحاديث الصحيحة تدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام قد آتاه الله من خصائص البصر ما لم يؤته أحداً من العالمين، فمن ذلك الرؤية من الجهات جميعاً، أي أنه كان يرى عليه الصلاة والسلام من خلفه، والعلماء في تفسير هذا الحديث يقولون: هي رؤية حقيقية؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: (إني لأراكم من وراء ظهري) ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقي الكلام على عواهنه، ولو أراد أن الملائكة تخبره بما يفعل أصحابه من خلفه عند المسابقة بالركوع والسجود أو أنه يُخبر بذلك لقال: (إني لأخبر بما تفعلون). بل قال: (إني لأراكم) وهذا اللفظ لا يحتمل التأويل، وفي بعض ألفاظ البخاري أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إني لأرى من خلفي كما أرى من أمامي) فساوى فيما بين الرؤيتين، إني لأرى من خلفي كما من أرى من أمامي، نحن نرى من الأمام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرى من الخلف كما يرى من الأمام، فقوة الإبصار عنده من الخلف كقوة الإبصار عنده من الأمام.

ثم جاء في حديث آخر أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخرجه البيهقي في الدلائل وحسنه الإمام السيوطي قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى في الظلمة كما يرى في النهار في الضوء) وجه آخر من جوه قوة البصر عند النبي صلى الله عليه وسلم، كان يرى في الظلمة كما يرى في النهار في الضوء، هذه هي المعجزة، هذا هو الكمال من الله تبارك وتعالى الذي كمل به نبيه عليه الصلاة والسلام، ولذلك روى الإمام القاضي عياض في كتابه (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) أن النبي عليه الصلاة والسلام (كان يرى في الثريا أحد عشر نجماً) وروى الإمام السهيلي في (الروض الأُنُف) أن النبي عليه الصلاة والسلام (كان يرى بأم عينيه في الثريا اثني عشر نجماً) في وقت تعجز فيه عيون البشر عن إدراك ذلك، بل هذا مما لم يكتشفه إلا علماء الفلك بعد اختراع المناظير (التيليسكوبات) الواسعة الدقيقة، ذات العدسات الطويلة المقرِّبة، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرى ذلك.

هذا بعض ما يمكن أن نجمعه في بيان وصف عيني النبي عليه الصلاة والسلام وقوة الإبصار عنده، هذا وصفه عليه الصلاة والسلام، وصفه يزيدنا تعلقاً به، الآن نريد التخلق، كيف نتخلق بأدب المصطفى صلى الله عليه وسلم في الإبصار والرؤية؟ نجد في ذلك صفة نظر النبي عليه الصلاة والسلام.. العينان.. الإبصار.. الآن النظر.. كيف كان ينظر النبي عليه الصلاة والسلام بعينيه؟..
تعرفون الناس يعابون في كل عصر وفي كل زمان بكثرة حركة العين، ومن قواعد علم الفِراسة أن كثرة حركة العين تدل على المكر والخديعة، وأن ثبات حركة العين يدل على الحكمة والتؤدة والروية، جاء في صفة النبي عليه الصلاة والسلام في حديث هند ابن أبي هالة وهو حديث شهير أخرجه الإمام الترمذي في شمائله (كان عليه الصلاة والسلام خافض الطرف) أي: يغض بصره لا عن المحرمات فحسب وإنما عن المباحات كذلك، يقول أحد الأدباء:

وكنتَ إذا أرسلتَ طرْفَك رائداً=لعينَـيْك يوماً أتعبتكَ المناظرُ
رأيتَ الذي لا كلَّه أنت قادرٌ=عليهِ ولا عن بعضِهِ أنت صابرُ

إرسال الطرف: مجرد الفرجة في الطريق والنظر يميناً ويساراً، الأدب أن تخفض طرفك إذا كنت تمشي في الطريق، انظر عند موضع قدميك، هذا كان حال الصالحين قديماً، ويروى عن سيدنا عبد الله بن المبارك أنه كان يقول: (كان السلف يكرهون فضول النظر كما كانوا يكرهون فضول الكلام) أي: الكلام الذي لا طائل تحته، الكلام الذي لا فائدة منه، تكلم بالحكمة، تكلم بالصواب، تكلم بما يعنيك في أمور دينك ودنياك، وانظر أيضاً إلى ما يعنيك، كان عبد الله بن المبارك يمشي مع رجل، فرأى ذلك الرجل داراً حسنة، فجعل ينظر إليها، فأدار عبد الله بن المبارك رأسه وقال: (إنما جمل ذلك الرجل داره لتنظر إليها) هذا من فضول النظر.

وحديث الفضل بن العباس في ذلك شهير، لما كان رِدف النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة، والحديث في الصحيحين، جعل ينظر يميناً، فأدار النبي عليه الصلاة والسلام وجهه إلى اليسار، وهذا أصله في كلام الله تبارك وتعالى: ) قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ..( [النور،30] )وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ..( [النور،31] غض البصر هنا لم يأت مقيداً بغض البصر عن النساء في حق الرجال، ولا عن الرجال في حق النساء، وإنما جاء عاماً، ما قال الله تبارك وتعالى: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم عن النساء. وما قال سبحانه وتعالى: وقل للمؤمنات يغضضن أبصارهن عن الرجال. وإنما المراد غض البصر عن كل ما لا طائل تحته، ومن ذلك على سبيل المثال: النظر في هذا الصندوق العجيب (التلفاز)، هذا الصندوق الذي يأتيك الآن بالصور الفاسدة والخلاعة، ويأتيك بكل أسباب الفساد، النظر فيه فضول لا طائل تحته، النظر في واجهات المحلات، إذا لم تكن تعرف ما تريد شراءه، مجرد الفرجة والنظر يدعوك إلى إضاعة المال، ويدعوك إلى الافتتان، هذا معنى أن ترسل طرفك رائداً، يرود لك المناظر مما لا تقدر عليه، ولا تصبر عنه من أسباب المعصية.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام خافض الطرف، إذا مشى الواحد منا ينبغي أن يمشي خافض الطرف، كنا نسمع عن بعض الصالحين قديماً، وأنا أحب أن أسرد لكم قصص الصالحين، حتى يعرف الإنسان حاله لما يقارن بينه وبين رجل عاش قبل خمسين سنة أو قبل أربعين سنة، أنا كنت أمشي مع والدي رحمه الله تعالى فما رأيته يوماً يلتفت يميناً ولا يساراً، ولا يرفع رأسه، وإنما يخفض رأسه، وينظر عند موضع قدميه، وكان أحد كبار أولياء الشام، وهو الشيخ شريف اليعقوبي -وهو عم والدي رحمه الله- وكان إمام المالكية في جامع بني أمية، وأحد كبار العلماء، مرة من المرات قتل له ولد، فدخل إلى المحكمة ليسقط حقه، فلبس هذه القلنسوة وأرخاها على وجهه، فقيل له: لم فعلت ذلك؟ قال: لا أريد أن أرى قاتل ولدي، حتى إذا رأيته في الطريق لا أميزه من بين الناس، ولا أحزن ولا أجد عليه، عفا عنه وأسقط حقه، ولم يعرف وجهه، ولم يرد أن يره!. وحدثونا أيضاً أن الشيخ بدر الدين الحسني المحدث الأكبر، لما قيل له: بدأت النساء تخرج بغير حجاب، أبى أن يخرج في الطريق، ما كان يمشي إلا من دار الحديث في (العصرونية) إلى بيته في حي (النوفرة) أول حي (النقاشات)، وما كان يخرج خارج هذا الحي، لما قيل له أن النساء بدأن يخرجن سافرات، تهيباً من الوقوع في المعصية، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.

يقول هند بن أبي هالة في صفته عليه الصلاة والسلام: (خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء) نظره إلى الأرض تواضعاً؛ لأن النظر إلى السماء فيه تكبر، وفيه رفع رأس، (جُلُّ نظره الملاحظة) أي: لا يحدق في الشيء، بل يلاحظ ملاحظة، والملاحظة إنما هي النظر بلحظ العين، وهو طرف العين أو شق العين. هذا ما ينبغي أن نستفيده -أيها الإخوة- إذا أردنا الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام في صفته وحواسه، عندما نذكر عينيه الشريفتين، وجمال هتين العينين، وعندما نذكر قوة بصره عليه الصلاة والسلام، وعندما نذكر أدبه في النظر، وأدبه في الملاحظة، وأدبه في خفض الطرف، وأدبه في الاعتبار والتفكر، هذا ما ينبغي أن نلتفت إليه -أيها الإخوة-.. تفكَّرْ في آيات الله تبارك وتعالى، انظر في المصحف، انظر فيما يهمك من أمور دينك ودنياك.

نهى الله تبارك وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام فقال: )وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ.. ([طه،131] إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهي عن ذلك، فما بالنا نحن -أيها الإخوة-؟! ألا ينبغي لنا أن نتنبه إلى أن نخفض الطرف ونغضه عن النظر في أحوال الناس وما آتى الله تبارك وتعالى الناس من زينة ومال وتجارة وبناء ودور وثياب ومراكب؟! لا ينبغي لك أن تنظر إلى ما آتى الله تبارك وتعالى الناس، وأن تتطلع إليه. ولذلك فإنه عليه الصلاة والسلام بين ذلك في حديث آخر، لما نهى عليه الصلاة والسلام أن ينظر الرجل في أمور الدنيا إلى من فوقه، وأمر أن ننظر إلى من هو دوننا في أمور الدنيا، لأن الإنسان يتعب إذا أدام النظر إلى الأغنياء، ويريد أن يصير مثلهم، ينظر إلى أصحاب القصور فيريد أن يبني قصراً كأصحاب القصور، ينظر إلى أصحاب السيارات الفارهة فيريد أن يشتري سيارة كأصحاب السيارات الفارهة، وهذه هي أسباب الإفلاسات، وهذه هي أسباب الديون في الجيل الجديد من التجار الشباب في هذا العصر، الذين يريدون أن يسلكوا في التجارة مسلك أصحاب الملايين، يريد أن يكون له بيوم واحد قصر ودار وسيارة فارهة! لماذا؟.. لأنه ينظر إلى غيره.
غض طرفك أيها الأخ المؤمن، غض طرفك لا عن الحرام فحسب، بل عن المباح كذلك، غض الطرف عن الحرام واجب شرعاً، وغض الطرف عن المباح يقيك من الوقوع فيما يتعبك في أمور الدين والدنيا، نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام في أحواله وأخلاقة، وأن يرزقنا التعلق بجماله وكماله وآدابه، إنه سميع قريب مجيب، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، فيا فوز المستغفرين...