تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم

 

اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، و لك الشكر أن مننت علينا ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سيد الأولين و الآخرين الذي كانت سيادته بنص قوله صلى الله عليه و آله وسلم: ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ) (1).
اللهم صل عليه صلاة ترضيك وترضيه و ترضى بها عنا يا رب العالمين و سلم عليه و على آله و أصحابه و من سار على دربه إلى يوم الدين.

أما بعد:
فقد نظرت فوجدت أن بعض المسلمين قد غابت عنهم مكانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فراحوا ينكرون على أهل تقدير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإجلاله تقديرهم و إجلالهم له صلى الله عليه وآله وسلم، و يصفونهم بالمبالغين في احترام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يكتفوا بالإنكار و الاعتراض، إنما ذهبوا يركزون على الجانب الآخر في رسول الله صلى الله عليه و على آله وسلم - وهو البشرية - مهملين و متناسين الجانب الأهم في شخصيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم و هو جانب النبوة و الرسالة، و لعمري إن هذا لإجحاف بحق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو ما يؤلم أكثر من غمز غير المسلمين؛ لأنها طعنة من ذي قرابة ورحم تجمعنا و إياه كلمة التوحيد، و ينظمنا معه عقد الإسلام المصون، و لذا فلقد قررت أن أخاطب المسلمين فقط، فأعرفهم أن تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و توقيره و إجلاله، و إدراك مكانته ليس مبالغة أو شططاً، بل هو الواجب علينا جميعاً، و سأبين ذلك من خلال حديثي عن مكانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القرآن الكريم، فالقرآن الكريم مليء بما يبين مكانة النبي صلى الله عليه وسلم و عظيم قدره، و ذلك إما بآيات صريحة في هذا أو بإيماءات و إشارات لا تبدو إلا لأرباب البصائر و النظر، و هذا ما نعثر عليه عند كثير من أهل التفسير أو أهل البلاغة، و لكن الآيات التي وردت مصرحة أو مشيرة إلى عظيم قدره صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيرة، لا يمكنني أن أستوعبها في بحثي هذا المتواضع، فسأقف عند بعضها، مبيناً أن الله عظم قدر نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم و أعلى شأنه في القرآن الكريم من عدة جوانب:
الجانب الأول – أن الله عز وجل قد أسبغ على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الصفات العظيمة مالم يسبغه على أحد سواه، فمن ذلك:
- وصفه بالرحمة، و هي صفة عظيمة، و كيف لا تكون كذلك وقد وصف الله بها نفسه؟ فهو الرحمن و الرحيم، وقد وصف بها حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عدة مواطن، فمرة يصفه بأنه الرحمة ذاتها، و أخرى نجده يشتق له من الرحمة وصف " الرحيم " و ما يلفت النظر أنه لم يصفه إلا بأعلى درجات الرحمة، لذا لم يرد في القرآن وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم باسم الفاعل، فلم يطلق عليه صفة "راحم" إنما ورد وصفه بالمصدر " رحمة " أو بصفة المبالغة " رحيم " و كلا الوصفين يدلان على المبالغة في الاتصاف بصفة الرحمة، وحين وصفه بأنه الرحمة و هي المصدر وجدناه مرة يصفه بأنه رحمة للعالمين، فيقول تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين) [ الأنبياء 107] و مرة أخرى يصفه بأنه رحمة للمؤمنين، فيقول: ( ومنهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم و الذين يؤذون رسول الله لهم عذابٌ أليمٌ )[ التوبة 61].
فوصفه بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم رحمة للذين آمنوا، ولا بد لنا من نظرة تحليلية عميقة للنص القرآني حتى لا نكون ممن يمرون على الآيات مرور الكرام فلا يعون ما يتلون، و سنقف أولاً عند ما يعنيه الوصف بالرحمة التي هي المصدر، فمن المعلوم في العربية و عند أهل البلاغة أن الوصف بالمصدر غير ممكن؛ لأنه غير مشتق، و لكن قد يوصف به لغرض بلاغي، و هو ادعاء أن الموصوف قد بلغ أعلى قمة في الاتصاف بالصفة التي وصف بها، و هو ما يسمونه بالمبالغة، و هذا يعني أنه لا يوصف بالمصدر إلا لغرض المبالغة، و المبالغة هنا مصطلح بلاغي عبر به البلاغيون و المفسرون كثيراً، و فرقوا بينه و بين المبالغة التي تعني الكذب، و بناء على هذا فإن وصف النبي صلى الله عليه و على آله وسلم في الآيتين بأنه رحمة يفيد أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بلغ في الرحمة درجة عالية حتى أصبح هو الرحمة ذاتها، وكأن الرحمة تجسدت في شخصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو هي، و هي هو، و لذلك قال أبو السعود في تفسيره: ( وهو رحمة، بطريق إطلاقِ المصدرِ على الفاعل للمبالغة )(2) .
أما كون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوصف مرة بأنه رحمة للعالمين، و أخرى بأنه رحمة للذين آمنوا، فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رحمة عامة و رحمة خاصة، أما الرحمة العامة فهي للعالمين، و أما الخاصة فهي للمؤمنين، فالمؤمنون داخلون إذن في رحمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم مرتين، و لكن لا بد أن نتأمل معنى " العالمين " لندرك مدى عمومية رحمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالعالمين جمع عالم، و هذا يعني أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس رحمة لعالم واحد و هو عالم البشر، بل هو رحمة لكل العوالم، و إنما استنبطنا أنه رحمة للكل من كون العالمين جمعاً و قد دخلت عليه لام الاستغراق و الجمع و لام الاستغراق من ألفاظ العموم، فنستنبط من هذا أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم رحمة لكل عالم يصدق عليه لفظ عالم، فهو رحمة لعالم الإنس و رحمة لعالم الجن و رحمة لعالم الملائكة و رحمة لعالم الحيوان و رحمة لعالم النبات و غيرها من العوالم، و هذا لا مبالغة فيه، و ليس إشارة غامضة بل هو صريح نص قرآني، فليت شعري ماذا يقول من يتهمنا بالزيادة في تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ماذا يقول عما يدل عليه هذا النص القرآني؟
حقاً إن ما في هذه الآية هو قمة تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و البيان الواضح في مدى علو قدره صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يوضح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بلغ في صفة الرحمة العظيمة منتهاها، فكان رحمة لكل العوالم عموماً و رحمة للمؤمنين خصوصاً.
و أما وصفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه رحيم فلقد ورد في قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)[التوبة 128].
و لدى التأمل في وصف " رحيم " نجد أنه جاء مشتقاً على وزن " فعيل " و هو أحد صيغ المبالغة، و يفيد الوصف بصفة من أمثلة المبالغة شيئين رئيسين: هما المبالغة و التكرار، فوصف الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصفة رحيم يعني أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بلغ منتهى صفة الرحمة و أعلى درجاتها، و كذا يعني أنها هي الصفة الغالبة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كل أحواله، و لقد استنبطنا كونها الصفة الغالبة عليه من كون صيغة المبالغة تفيد التكرار، و هذا يعني أن الرحمة تتكرر منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيراً، وهذا يعني بالتالي أنها الصفة الغالبة عليه في أحوله و أخلاقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
و حري بنا أن نتأمل الأوصاف الأخرى التي وردت في هذه الآية، و هي " رسول من أنفسكم " و " عزيز عليه ما عنتم " و " حريص عليكم " و" رؤوف " و هي أوصاف تحثنا على مزيد من تقديره وإكرامه صلى الله عليه و على آله وسلم يقول الإمام البقاعي عند تفسيره هذه الآية: ( ولما كان الرسول يجب إكرامه و الوقوف في خدمته لأجل مرسله و لو تجرد عن غير ذلك الوصف، شرع يذكر لهم من أوصافه ما يقتضي لهم مزيد إكرامه ) (3).
أما نعته بقوله: " من أنفسكم " فهو مدح و ثناء على نسبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و حث للسامعين من قريش و العرب على إكرامه؛ لأنه عربي قرشي، و هذه الصفة تتطلب منهم الإقبال عليه بدل الإعراض عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قبيلتهم التي يفتخرون بها و يكرمونها.
و أما نعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه عزيز عليه عنت المؤمنين، فهو النعت الذي يبين مدى رأفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و شفقته على أمته؛ إذ يشق عليه بشدة وقوعهم في العنت و الشدة رأفة بهم، و هذا يستدعي ممن يشفق عليهم مزيداً من الإكرام و العناية.
و أما نعته بأنه حريص على أمته فهو نعت ثان يدل مدى رأفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشفقته على أمته، و لقد دل "حريص " على بلوغ حرصه منتهاه على أمته، وذلك لمجيء وصفه بذلك على صيغة المبالغة "فعيل" فدل ذلك على شدة حرصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على نفع أمته وسعادتهم.
و أما نعته بالرأفة فللتأكيد على شدة رحمته صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الرأفة هي أشد الرحمة .(4)
ويذكر ابن عاشور الفرق بين وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرأفة و وصفه بالرحمة، فيقول: (والرأفة رقة تنشأ عند حدوث ضر بالمرؤوف به، يقال: رؤوف رحيم، و الرحمة رقة تقتضي الإحسان للمرحوم، بينهما عموم وخصوص مطلق، ولذلك جمع بينما هنا )(5) .
ولدى التأمل في الأوصاف التي وردت، و هي " عزيز عليه ما عنتم" و "حريص عليكم" و " بالمؤمنين رؤوف" و " رحيم " نجدها كلها صفات تدل على رحمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم العظيمة بأمته، و هذا البيان من الله لرحمة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و التشخيص لمقدارها و حجمها كله عبارة عن حث من الله لنا للمزيد من إكرم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و إجلاله، لأن من بلغت رحمته هذا المستوى الرفيع بأمته يستحق من الأمة مزيد الإجلال و الاحترام، أجل والله فربنا لم يعرفنا بمدى رحمة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبثاً، كما أنه ليس مجرد ثناء من الله على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم و مدح له، إنما هو بيان لوصف عظيم في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستحق من أجله كل الاحترام و التعظيم.
- و من تلك الصفات العظام التي وردت في القرآن للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه الشاهد و المبشر و النذير و الداعي إلى الله و السراج المنير، يقول سبحانه وتعالى: ( يا أيها النبيُّ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. و داعياً إلى الله بإذنه و سراجاً منيراً) [الأحزاب 45 -46].
وسماه الله تعالى بالنور في قوله تعالى: ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب و يعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) [ المائدة 15].
فلقد وصف الله نبيه محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه نور، بعد أن شرفه بالإضافة إلى ذاته في قوله: "رسولنا" فالإضافة هنا للتشريف .(6)
و وصفه بالرسول و بالنبي و بالأمي و بالمدثر و بالمزمل، و هذه الكثرة من الأوصاف و الأسماء و الألقاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تدل على عظم مكانته عند الله، و تشير إلى وجوب المزيد من إكرمنا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
و وصف ربنا أخلاقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالعظمة، فقال مخاطباً له، لنعرف نحن ذلك فنزاد تقديراً و تعظيماً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( وإنك لعلى خلق عظيم )[ القلم 4].
و وصف ربه بالرشاد و السداد؛ لنعظمه و نقدره؛ لأن هذه الصفات تبعث في نفوس الناس تعظيم المتصفين بها و تقديرهم، فقال: ( والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم و ما غوى. و ما ينطق عن الهوى )[ النجم 1- 2-3] و وصفه بأنه على صراط مستقيم، فقال له: ( يس. و القرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم )[ يس 1-2-3-4].
و هكذا نجد أن كل ما ورد من أوصاف للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هي أسمى و أرقى ما يوصف به أحد من خلق الله، و الغرض من ذكر هذه الأوصاف أمران، أحدهما: الثناء على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني: تعريف الناس بمكانته و مقداره حتى يحبوه ويعظموه و يقدروه؛ لأن عادة الناس أن يحبوا و يعظموا من كان متصفاً بتلك الصفات.
الجانب الثاني من جوانب تعظيم الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم هو ذكره في كتابه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منة من الله على المؤمنين، يقول سبحانه: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران 164].
و نلاحظ هنا أنه سبحانه يؤكد لنا كون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم منة منه على المؤمنين، و مجرد اعتباره صلى الله عليه وعلى آله وسلم منة يدل على تعظيم الله له؛ لأن الله لا يمن إلا بما هو عظيم، أما تأكيد المنة بـ " لقد " فهو تأكيد لتلك العظمة، و حث للمؤمنين على أن يذعنوا بكون رسول الله صلى الله عليه و آله وعلى آله وسلم منة، و أن يترجموا هذا الإذعان بالعمل من خلال تقدير و تبجيل و تعظيم تلك المنة و النعمة، و نلاحظ بعد ذلك تعظيمه من جهة ذكر مهامه العظيمة التي يقوم بها، و هي تلاوة الآيات و تزكية المؤمنين و تعليمهم الكتاب و الحكمة و هدايتهم، و هذه مهام عظيمة عددها ربنا هنا مدللاً بها على كون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم منة، و هي إذ تدلل على كونه صلى الله عليه وعلى آله وسلم منة فإنها بالوقت ذاته تدل على عظمة من يقوم بها.
الجانب الثالث من جوانب تعظيمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو تعداد الذكر الحكيم لمهام عظيمة يقوم بها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و ذلك؛ لأن الأعمال العظيمة تدل على عظم من يقوم بها، و قد رأينا ذلك آنفاً عند قوله تعالى: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران 164].
و عند قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )[ المائدة 15-1].
فقد ذكر ما يقوم به صلى الله عليه وسلم من أمور عظيمة يدل القيام بها على عظم فاعلها؛ فالإناء ينضح بما فيه، و كما قالوا: آثارنا تدل علينا، فالفعل العظيم يدل على عظم فاعله، و قد ذكر الله هنا ما يقوم به صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أمور عظيمة و هي الهداية إلى سبل السلام، و إخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ ليلهب فينا مشاعر الحب و التقدير للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه قد جرت عادة الناس أن يعظموا ذا الأعمال الجليلة، و أي أعمال أجل من هذه المهام التي يقوم بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذن هو أحق الخلق بالتقدير و التعظيم و الاحترام.
و يذكر مهامه العظيمة أيضاً في قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [ الجمعة 2].
فقد ذكر هنا ما يقوم به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أعمال عظيمة مشيراً بذلك إلى عظمة القائم بتلك الأعمال و هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو يتلو على الأميين الآيات و يطهرهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و يهديهم.
و يذكر أيضاً أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يهدي إلى صراط مستقسم، فقال له مخاطباً: ( و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض )[ الشورى 52 -53].
ويذكر أيضاً ما يقوم به من أعمال عظيمة عند قوله تعالى: ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة و الإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم ) [ الأعراف 157].
فهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يحل الطيب و يحرم الخبيث و يخفف عن أهل الكتاب ما كان عليهم من أحكام تثقل كواهلهم، وهذه كلها أعمال عظيمة تدل على عظم فاعلها و هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و نلاحظ أن في نسبة الإحلال و التحريم إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى كون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مشرعاً، و هذا بحد ذاته كاف في الدلالة على عظيم مكانته صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الجانب الرابع من جوانب تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما منحه الله و أعطاه لحبيبه صلى الله عليه و على آله وسلم، فقد ذكر ربنا في الذكر الحكيم ما خص به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من إكرام بأمور كثيرة لم يعطها أحداً قبله، و سورة الشرح شاهدة بذلك من جهة اللغة التي خاطبه بها و من جهة نوعية الأمور التي أكرمه به، فلقد أكرمه بشرح الصدر و وضع الوزر و رفع الذكر ووعده بتيسير الأمور له صلى الله عليه وعلى آله وسلم و لأمته، و أما اللغة فقد كانت اللغة العجيبة، لغة المحب الغيور على حبيبه، فلقد استهل ذلك بالاستفهام الإنكاري: " ألم نشرح لك صدرك " [الشرح1] فأنكر انتفاء الشرح؛ زيادةً في إثباته و تأكيداً لوقوعه، و الغرض من ذلك إدخال السرور إلى قلبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و لذا فلقد قدم الجار و المجرور على المفعول في قوله: " ألم نشرح لك صدرك" و قوله: " ووضعنا عنك وزرك" و قوله:" ورفعنا لك ذكرك" فتقديم الجار و المجرور على المفعول به أفاد الاختصاص، أي الشرح وقع لك دون غيرك، ووضع الوزر وقع لك دون غيرك، و ورفع الذكر وقع لك دون غيرك، و الغرض من ذلك المسارعة في إدخال المسرة إلى قلبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما أشار إلى ذلك أبو السعود في تفسيره ، (7)و هذا بعض ما أشرت إليه من كون اللغة في هذه السورة تشتمل على تعظيم النبي صلى الله عليه و على آله وسلم، فذكر ربنا هذه المنح بهذه اللغة يدل على عظمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و إكرام الله له، و نأخذ شاهداً آخر على تعظيم الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من خلال ذكره ما حباه به من إكرام بأمور عظيمة، و هو ما ذكره الله في سورة الفتح من أمور كثيرة فقد ذكر أنه تعالى فتح له فتحاً مبيناً و أنه غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و أنه يريد أن يتم نعمته على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يهديه صراطاً مستقيماً، و ينصره نصراً عزيزاً، يقول سبحانه: ( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً. ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً. وينصرك الله نصراً عزيزاً)[الفتح 1-2-3].
و ذكر سبحانه في نفس السورة أن مبايعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مبايعة لله، فقال: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)[ الفتح 10].
و أعطاه سبحانه مرتبة عالية فجعله أسوة حسنة للمؤمنين فقال: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ )[ الأحزاب 21].
و أكرمه تعالى بأن جعل طاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم طاعة له، فقال: ( من يطع الرسول فقد أطاع الله)[النساء 80].
و أكرمه الله بمنعه و عصمته من الناس فقال: ( والله يعصمك من الناس )[المائدة67].
و أكرمه بالسبع المثاني و القرآن العظيم، فقال له: (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني و القرآن العظيم)[الحجر 87].
و أكرمه سبحانه وتعالى و شرفه باستمرارية صلاته هو وملائكته على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و تكرارها دونما انقطاع كما يشير إلى ذلك التعبير بالمضارع " يصلون" من قوله تعالى: ( إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً )[ الأحزاب 56].
و أكرمه وشرفه بأن بدأ بالإخبار عن الصلاة عليه بذاته العلية، ثم ثنى بالملائكة حثاً للمؤمنين أن يصلوا عليه و يسلموا تسليماً.
و كذلك أكرمه بأن ربط الفلاح و النجاة و الفوز بالإيمان به و بتعزيره أي تعظيمه و بنصرته و باتباعه، فقال: (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه و اتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون )[الأعراف 157].
و نلاحظ أن الآية هنا تصرح بضرورة تعظيم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتوقيره، فالتعزير هو التعظيم والتوقير، ففي هذه الآية تصريح بوجوب التعظيم الذي ينكر البعض تقديمه للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالتعزير هو النصرة مع التعظيم ، (8) يقول أبو السعود: ( وعزروه: أي عظموه ووقروه ) (9).
و أكرمه بأن ربط أيضاً محبة الله باتباعه، فلا يمكن أن يتحقق العبد بحب الله إلا إذا اتبع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول الله تعالى: ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )[آل عمران 31].
و أكرمه الله فقال له: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعييننا)[الطور48] أي في حفظنا و حمايتنا بحيث نراقبك ونكلؤك و هذا منتهى العناية بالنبي صلى الله عليه وسلم.
و مما يؤكد مكانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يكرم الله به هذه الأمة من أجل خاطره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن ذلك ما أكرمه الله به بأن جعل المجيء إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم و استغفار الله في حضرته واستغفاره صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبباً في مغفرة ذنوب المسرفين على أنفسهم من أمته، فقال: ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً ) [ النساء 64].
و هناك إشارة دقيقة في القرآن الكريم إلى ما يمنح الله الأمة من أجل خاطره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن تلك الإشارات ما ذكره الله تعالى في قوله: ( و ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم)[الأنفال 33].
و اللافت للنظر هنا أن الله أكرم أمة الدعوة لا أمة الإجابة من أجل خاطره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهنا يبين ربنا بصريح العبارة أنه أكرم الكافرين المعاصرين له فلم ينزل العذاب بهم إكراماً لوجود رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيهم، و ما يلفت النظر أنه سبحانه لم ينزل العذاب بهم مع أنهم جحدوا و تحدوا أن ينزل فيهم العذاب، فقالوا كما حكى الله عنهم: (اللَّهُمَّ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم)[الأنفال32].
و لقد جرت سنة الله أنه لا يتحدى في كبريائه و قدرته و عزته و قوته إلا و ينزل العقوبة عاجلاً بمن تحداه كما كان يقع في الأمم التي خلت، لكن هنا مع أمة عاصرت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
يحلم ربنا على هؤلاء الكفرة و لا ينزل بهم العذاب الذي طلبوه تحدياً، و يصرح ربنا بأنه ما تركه إلا لأجل خاطره صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
و من الإشارات إلى مكانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من خلال ما منحه الله للأمة من أجل خاطره ما ذكره الله تعالى في قوله: ( و ربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشاكم من ذرية قوم آخرين ) [ الأنعام 133].
فالآية تشير إلى سبب عدم وقوع الذهاب بهم واستخلاف قوم آخرين من بعدهم، و ذلك من خلال ما ذكره في بداية الآية من كون الله تعالى هو الغني وحده، ولا غني سواه، وكونه ذا الرحمة دون غيره، و كونه رب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي يحسن إليه، ومن إحسانه إليه أنه لا يهلك الأمة التي أرسل إليها.
و لا بد قبل الانتقال إلى الانتقال إلى الجانب التالي من بيان الغرض من ذكر القرآن ما حبا الله به نبيه من محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم من إكرم أو ما حبا به الأمة من أجل خاطره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالغرض من كل هذا حث الناس على إكرامه و إجلاله و احترامه و تعظيمه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد جرت عادة الناس أن يتعلقوا و يعظموا من حاز شيئاً من المكارم، فكيف بمن حاز كل المكارم، و هو صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و كذا قد جرت عادة الناس أن يحبوا و يعظموا من أكرموا من أجل خاطره، فعليهم إذن أن يحبوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم و أن يتعلقوا به؛ لأن ما ينالونه من مكارم هو من أجل خاطره صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الجانب الخامس - التشديد على وجوب الأدب معه.
و من جوانب تعظيمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما ورد في الذكر الحكيم من حث على الأدب معه صلوات الله وسلامه عليه، و سورة الحجرات تشهد بذلك، حيث يبدأها الله بقوله:
( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم )[ الحجرات 1].
و نلاحظ هنا تشديداً على ضرورة الأدب معه صلى الله عليه وسلم من خلال النهي و من خلال حذف مفعول " تقدموا " حيث عم بذلك الحذف النهي، فشمل كل أشكال التقديم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ إذ حذف المفعول يفيد عموم الفعل، فيسلط النهي عندئذ على كل نوع من أنواع التقديم، فلا يقدموا بين يديه حديثاً و كذلك لا يتقدموا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مشية أو جلسة، ولا يقدموا أنفسهم بين يديه، و لا يقدموها عليه، على غرار ما قال في سورة التوبة: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) [ التوبة 120].
و نلاحظ هنا أنه نهى عن تخلفهم و عن رغبتهم بأنفسهم عن نفسه بأشد أنواع النهي، و هو نفي الجحود، فهو نهي بصورة النفي، و هذا الأسلوب يفيد النهي وزيادة، و الزيادة التي يفيدها ذلك النوع من النهي هو الإشارة إلى أن هذا مما ينبغي أن لا يوجد أصلاً، و نلاحظ أيضاً أن النهي هنا لم يكن عن تخلفهم عن الجهاد مع أن هذا هو ما فعلوه، و لكن الله تعالى نهاهم عن التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و كأنه يشير إلى أن ما ارتكبوه من تخلفهم عن رسول الله هو أفظع من تخلفهم عن الجهاد، لذا فهو لم ينع عليهم إلا تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورغبتهم بتقديم أنفسهم و حياتهم على حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونفسه.
ثم بعد ذلك ننتقل إلى أدب آخر مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلمه الله تعالى للمؤمنين، فيقول سبحانه: ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون )[الحجرات 2].
فلقد نهاهم عن رفع الصوت أمام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و أن ينادوه كما ينادي بعضهم بعضاً، و بين خطورة إساءة الأدب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و ذلك من خلال بيان فظاعة العقوبة؛ لأن غلظ العقوبة ينبئ بهول الذنب وضخامته عند مرتب العقوبة على الذنب، و هو الله، فهنا العقوبة خطيرة جداً، و هي إحباط الأعمال و إبطالها، و هذا يدل على فظاعة الذنب المرتكب، و هو أدنى درجات إساءة الأدب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و هذا يجعلنا نرجع فنتأمل، إذا كان رفع الصوت و الجهر - و هو أدنى درجات إساءة الأدب - يوجب إحباط الأعمال، فكيف بالإساءات الأخرى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم التي لا يفتأ أقوام عن توجيهها للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و هي متعددة الأشكال و الكيفيات، فهناك من يؤذيه في ذاته صلى الله عليه وسلم، و هناك من يؤذيه في الإنقاص من قدره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و هناك من يؤذيه في أهل بيته، و هناك من يؤذيه في صحبه، نسأل الله السلامة من كل هذا.
و لدى التأمل في الآية نستنبط إشارة مفادها: أن العمل الصالح لا ينفع صاحبه مع الإساءة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن تلك الأعمال مهما كثرت ستصبح هباء منثوراً مع أدنى إساءة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم ننتقل إلى الآيات الأخرى بعد ذلك، فنجد أنه سبحانه و تعالى يمدح أهل الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيقول: ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم )[الحجرات 3].
ثم يذم مسيئي الأدب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيصفهم بأن أكثرهم لا يعقلون، أي ليسوا من أهل العقل و التدبر؛ لأن صاحب التدبر و التفكر يعلم أن الأدب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعتبر معياراً لقبول العمل أو رفضه، يقول سبحانه: ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون )[ الحجرات 4].
ثم ننتقل إلى موطن آخر في القرآن الكريم، فنجد أن المولى في سورة النور يعلم المؤمنين أدباً دقيقاً مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و هو أن لا ينهضوا من مقامهم و أن لا يذهبوا من مجلسهم حتى يستأذنوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول سبحانه وتعالى: ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله )[ النور 62].
و نلاحظ هنا أن الآية لم تكتف بالإرشاد إلى ذلك الأدب الرفيع مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنما بينت أن ذلك ضروري لتحقق الإيمان، و ذلك من خلال حصر وصف الإيمان بالالتزام بشيئين، هما: الإيمان، و عدم الانصراف من المجلس إلا بإذنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذن القضية ليست مجرد أدب، إنما هي أدب له مدلول إيماني، و يؤكد ذلك ما ختم الله به تلك الآية من تأكيد بإنّ على أن الذين يلتزمون بهذا الأدب أولئك هم أهل الإيمان بالله ورسوله، و لايغيب عن بالنا ما تفيده إشارة البعد أولئك من بيان علو قدر الملتزمين بذلك الأدب، و ما تفيده من تقرير للخبر و هو " يؤمنون بالله ورسوله" و هذا ما يجعلنا نستنبط أن الإيمان لا يجتمع مع إساءة الأدب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم نتابع في الآية التي تتلو هذه الآية، فنجد أن ربنا ينهى المؤمنين أن يجعلوا دعاء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم و نداءه مماثلاً لنداء بعضهم بعضاً، ، فيقول سبحانه و تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً )[ النور63].
فلابد من تعظيمه حين ندائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا الأمر كان سنة في نداء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القرآن الكريم، فلقد عظمه في نداءاته كلها، فلم يناده باسمه قط، إنما كان يناديه بقوله: يا أيها الرسول، أو يا أيها النبي، و لم نجده ولو مرة يناديه يا محمد، كما كان ينادي بقية الأنبياء و المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، فإذا كان الله في عليائه و جلاله لم يناد رسوله باسمه مجرداً عن ألقاب التعظيم و الرفعة، فكيف يأذن لخلقه أن ينادوا حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما لم يناده هو به.
ثم ننتقل إلى موطن آخر من مواطن تعليم الأدب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القرآن الكريم، و هو قول الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه و لكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا و لا مستأنسين لحديث إن ذلك كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق )[ الأحزاب 53].
فهنا يعلم المؤمنين أدباً رفيعاً مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعظيماً لقدره و إجلالاً لمكانته، فينهاهم عن دخول بيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا عندما يدعوهم أو يأذن لهم، و نهاهم أن يطيلوا الجلوس معه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إجلالاً له، لأن من إجلال العظماء أن لا يطال الجلوس في حضرتهم، و من هنا نهاهم عن الجلوس انتظاراً لنضج الطعام، و أمرهم بالانتشار و الانصراف بعد الأكل مباشرة، و نهاهم أن يجلسوا مستأنسين بحديث، و كأنه هنا يفهمهم أن التعامل مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس كتعاملهم مع بعضهم، إنما هو تعامل قائم على تعظيمه و إجلاله و تقديره، و نلاحظ في الآية لهجة الغيرة على الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى لا يستغل أحد حياء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيخل بتلك الآداب و يتعامل مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعاملاً مجرداً من التعظيم و الاحترام، و لقد حرص القرآن على أن يفهم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عالي القدر و الجناب، و أن التعامل معه و نداءه الجلوس ومعه و الحديث معه يختلف عن حديث المؤمنين فيما بينهم، ولذا نجده في بادئ الأمر يأمر المؤمنين أن يقدموا بين يدي نجواهم و حديثهم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صدقة، فيقول: ( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين نجواكم صدقة ذلكم خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم )[المجادلة 12].
و الغرض من هذا الأمر أن يعلم المؤمنون من هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و أن يفهموا أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عالي المقدار رفيع الجناب، فلا يناجى و لا يتحدث معه إلا على طهارة، و لذا فالذي يريد أن يناجيه عليه أن يتطهر بالصدقة حتى يكلم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم و هو نقي من الدنس و قذارة الذنوب، و لكن لما شق ذلك عليهم نسخت الآية، بقوله بعدها: (أأشفقتم أن تقدموا بين نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله )[ المجادلة 13].
و لعل الغرض من تشريع ذلك الأمر أولاً ثم نسخه هو الإشارة إلى وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و احترامه، و مما يؤكد ما ذكرناه من حرص الذكر الحكيم على إفهام المؤمنين مقدار نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم العظيم ما نجده في لغة العتاب التي كان يعاتب فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهي لغة تعلم الأدب في الحديث مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فمثلاً حين العتاب في إذنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم للمنافقين، نجد اللغة الرقيقة التي قدم فيها العفو عنه أول الحديث، فلقد سبقت المغفرة العتاب، يقول الله تبارك و تعالى: ( عفا الله عنك لما أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا ) [براءة: 43].
و طبعاً لله عز وجل أن يخاطب من يشاء بما يشاء، ولكنه أراد أن يفهمنا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عظيم القدر لا يخاطب إلا بلغة الاحترام، ولهجة الأدب، و لذا حينما عاتبه في الأعمى لم يواجهه بالخطاب مواجهة إجلالاً له من أن يواجه بالعتاب، فتحدث معه و هو يخاطبه بضمير الغيبة، و كأنه يتحدث عن شخص آخر غير رسول الله صلى الله عليه و على آله وسلم فقال له: ( عبس و تولى أن جاءه الأعمى ) [ عبس 1-2].
و الأمثلة على ذلك كثيرة، إلا أن قصر البحث لا يساعدني على الوقوف عندها كلها، و لكن ما نستخلصه مما وقفنا عنده من تعليم الأدب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القرآن الكريم هو أن الله يريد منا أن نتأدب معه صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه يريد منا أن نعظمه و نوقره و أن ننزله في المكانة العظمى التي أنزله الله فيها.
الجانب السادس من جوانب تعظيمه في القرآن الكريم ما نجده من حرص المولى على رضاه:
و الآية في سورة الضحى صريحة في هذا، فلقد أكد له ربه وعده له بالعطاء الذي يحقق له الرضا، فقال له: ( و لسوف يعطيك ربك فترضى )[الضحى 5].
و هذا يدل على عظيم مكانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند ربه، فلولا أن الله حريص على رضاه لما وعده بالعطاء الذي يرضيه، و لعل ذلك الحرص يتضح لنا أيضاً عند قوله تعالى: ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها )[ البقرة 144].
فهو هنا ينص على أن توجه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و الأمة إلى الكعبة إنما هو لإرضاء خاطر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و هذا أمر يستحق التفكير فيه و الوقوف عنده، فليس هيناً أن نجد تشريعاً لأمر جلل كالتوجه إلى القبلة في الصلاة يكون كما يرضى سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و نجد أيضاً في القرآن إشارات إلى حرص المولى على رضا نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن ذلك لغة العتاب في قوله تعالى: ( عفا الله عنك لما أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا ) [براءة: 43].
و قوله أيضاً: ( عبس و تولى أن جاءه الأعمى ) [ عبس 1-2].
فهي لغة الحبيب لحبيبه يعاتبه في لغة رقيقة حرصاً منه على رضاه، فليتنا نتعلم من القرآن الكريم الحرص على رضا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمما لاشك فيه أن الغرض من بيان القرآن لأهمية رضا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند الله إنما هو حث المسلمين على كسب رضاه، و تقديره و تبجيله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الجانب السابع من جوانب تعظيمه صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم يتجلى لنا في غيرته تعالى على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودفاعه عنه، و الشواهد على ذلك كثيرة، فمن ذلك ما نراه في سورة الضحى من رد المولى سبحانه وتعالى على من قال: إن محمداً قد قلاه ربه، فأجابهم المولى بقوله: ( والضحى. و الليل إذا سجى. ما ودعك ربك و ما قلى )[ الضحى 1 -2 – 3].
و نلاحظ هنا أن الخطاب يتوجه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تطميناً له و تسكيناً لقلبه الشريف و تثبيتاً لما يعلمه من مكانته عند ربه، و لا شك أن في ذلك تنويهاً بقدره صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الله لا يدافع إلا عمن علا قدره و ارتفع شأنه.
و من الآيات التي دافع فيها المولى عن حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم و رد فيها على أعدائه ما نقرأه في كتاب الله من رد عنيف على من رموا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنون فرد عليهم قولهم و دحضه وذب عن المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم وطيب خاطره بقوله: ( ن و القلم و ما يسطرون. ما أنت بنعمة ربك بمجنون )[ القلم 1 -2].
و قوله أيضاً: ( فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولامجنون ) [ الطور 29].
و رد على المفترين أيضاً بقوله: ( وما صاحبكم بمجنون )[ التكوير 22].
و قال منكراً عدم تفكرهم حين قالوا ما قالوا؛ ليثبت بذلك أن هذا القول لا يصدر إلا عمن عطل عقله وفكره: ( أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة )[ الأعراف 184].
و تتجلى لنا غيرة المولى على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم و حبه له في بعض الآيات التي نجد فيها إشفاق المولى على حبيبه من أن يناله أدنى مكروه، و لعل ذلك يتجلى لنا بصورة واضحة في قوله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه )[ القيامة 16 -17].
فلقد نهاه عن أن يرهق نفسه و يتعبها بتحريك اللسان بالذكر وترديده خشية أن ينساه، و تعهد له بأن يجمعه له في صدره بدون عناء منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و هذا منتهى الإشفاق و الحب.
و نهاه عن الحزن بسبب ما يسمعه من الكفرة إشفاقاً من المولى على قلب حبيبه الشريف من أن يدخل فيه الحزن، فقال له: ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر )[ المائدة 41].
لا بل نجد ما هو أعظم و أدل على ما حظي به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حب مولاه، و ذلك حين نجد المولى يهون عليه ويخفف عنه، فيذكر له علمه بحزن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تكذيب قومه له، و يبين له أنه لا ينبغي أن يحزن؛ فتكذيبهم ليس له صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، إنما هو جحود منهم وكفر بآيات المولى، فيقول له: ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك و لكن الظالمين بآيات الله يجحدون) [الأنعام33].
حقاً إن هذه الآية لتدل بشكل لا لبس فيه على مدى حب المولى و غيرته على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو يرد التكذيب إلى آياته سبحانه و تعالى حتى يبعد عن حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم الحزن من تكذيبهم له.
و حين رأى المولى تفاني حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تبليغ الدعوة و حزنه الشديد على عدم هداية من ضل عن السبيل أقبل على حبيبه يخاطبه بلغة الإشفاق عليه من أن يصيبه أذى أو مكروه لكونهم لم يؤمنوا، فيقول له:( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً )[ الكهف 6].
وفي موطن آخر نجده ينهاه عن أن يهلك نفسه من أجلهم، حرصاً من المولى على حياة حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وراحته، فيقول له: ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون )[ فاطر 8].
و من هذا القبيل قوله له: ( طه. ماأنزلنا عليك القرآن لتشقى )[ طه 1 -2].
فهو يحثه على أن يسعد بنزول القرآن عليه، و بنفس الوقت يبين أن سبب نزول القرآن هو إسعاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
و تتجلى لنا أيضاً غيرة المولى على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: ( إلا تنصروه فقد نصره الله) [براءة: 40].
فهو يخاطب كل من قعد عن نصرة حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائلاً: إن تقاعدتم عن نصرته و مؤازرته فإنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم غني عن نصرتكم بنصر الله الذي قد تحقق و وقع كما يدل على ذلك التحقيق بـ" قد " و التعبير عن النصر بالفعل الماضي الذي يدل على أن النصر الحقيقي قد وقع وتم من الله، و من تحقق له نصر الله فهو غني به عن نصرة من سواه.
و من الشواهد القرآنية على غيرة الله على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم و الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم )[ التوبة 61].
فهناك طائفة من المنافقين قالوا عن رسول الله صلى الله عليه و على آله وسلم: هو أذن، يسمع كل يقال له فيصدقه بدون أن يتمعن في أمارات الصدق أو الكذب في الحديث، فلم يدع ربنا هذا القول بدون أن يرد عليه غيرة منه على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فرد عليهم بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أذن خير، فأضاف "أذن" إلى "خير" كما يقال رجلُ صدقٍ فهو أبلغ من أن يقال رجلٌ صادقٌ؛ لأنه من قبيل ادعاء أنه رجل ينسب إلى الصدق لكثرته منه، فإضافة " أذن " إلى "خير" يدل على بلوغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلى درجات الخيرية، يقول أبو السعود: (من قبـيل رجلُ صدقٍ في الدلالة على المبالغة في الجودة والصلاح، كأنه قيل: نعم هو أذنٌ ولكن نِعمَ الأذُنُ) .(10)
ثم جاء تفسير " أذن خير " بأنه يؤمن، فهو رد على المنافقين في لمزهم الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و دفاع عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و بيان لخيرية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و نفعه للمؤمنين، فهو ليس مجرد رحيم، إنما هو الرحمة كلها للمؤمنين، ثم لم يكتف ربنا بذلك بل توعد الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالعذاب الأليم، وهذا يستوجب منا -نحن المسلمين- أن نتجنب أي أمر فيه إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سواء أكان هذا الأذى في نفسه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أم في قرابته و زوجاته وأهل بيته أم في صحابته الذين أحبهم وأحبوه.
و مما لاشك فيه أن الغرض مما ذكره الله في كتابه من دفاع عن حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو غيرة عليه أو إشفاق عليه هو بيان مكانة هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند الله؛ لتكون معرفتنا لتلك المكانة دافعاً يدفعنا إلى تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و تقديره و احترامه؛ لأن الواجب على من آمن بالله أن يعظم من عظمه الله و أن يقدر من قدره الله.
و في الختام أقول: أرجو أن أكون قد وفقت في هذا البحث المتواضع لبيان موجز عن مكانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند الله سبحانه و تعالى كما جاء في القرآن الكريم؛ ليكون ذلك دافعاً لنا إلى إدراك عظمة هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و لكي نعلم أننا مهما عظمناه فلن نستطيع أن نعظمه كما عظمه مولاه في كتابه العزيز حين أنزل في أعظم ذكر و أشرف كتاب آيات تبين سمو قدر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم و توضح عظمته و علو مكانته، حتى لا يتطرق إلى أذهاننا و لو من بعيد أن رسول الله ما هو إلا بشر أدى رسالة و حسب، كلا والله هو صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشر، و لكنه ليس كسائر البشر، فهو من جعله ربه سيداً على كل البشر، و هو لم تنته مهمته، و لن تنتهي، و الدليل على أنها لم تنته، و أن مهمته لا تنحصر في السنين التي أدى فيها الرسالة أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو صاحب الموقف المشهود و المقام المحمود و الشفاعة العظمى بعد انقضاء هذه الدنيا، و بعد الانتقال من دار البلاغ و التكليف إلى دار الحساب و الجزاء، وهناك دليل آخر على عدم حصر مهمته في سني تبليغ الدعوة، و هو أن الله بين لنا في كتابه أن مهمة رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسبق زمن بعثته، و ذلك؛ لأن الله جعله شهيداً على الأمم السابقة، فقال تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ) [ النساء 41].
و قال أيضاً : ( ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) [ النحل 89].
فمهمة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليست منحصرة في سني بعثته، بل تمتد في البداية و النهاية، فنسأل الله أن يفهمنا مكانته صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى نقدره حق قدره. آمين و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين


(1) رواه البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي.
(2) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم المعروف بتفسير أبي السعود ج 3 ص 163 .
(3) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للإمام إبراهيم بن عمر البقاعي ج 3 ص 407.
(4) لسان العرب م9 ص 135.
(5) التحرير والتنوير ج10 ص 239.
(6) تفسير أبي السعود ج2 ص 250.
(7) تفسير أبي السعود ج6 ص 433.
(8) معجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني ص 373.
(9) تفسير أبي السعود ج3 ص 39.
(10) تفسير أبي السعود.