من آداب سماع الحديث النبوي الشريف

شيخ العامود بالازهر الشريف

إن الأدب هو أهم مايجب على طالب العلم أن يتحلى به في دروس العلم عامة، وتتأكد هذه الآداب في مجالس الحديث النبوي الشريف، فقد كان السلف -رضي الله تعالى عنهم- يعظمون حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويخصونه بمزيد من الأدب، وأصل ذلك كله الكتاب والسنة، فمما ورد في الكتاب العزيز من الأمر بالتأدب مع النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾

وقوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ وقوله جل جلاله: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا﴾، ومما ورد في السنة حديث جبريل: (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه) ومما ورد في كتب السنة من أدب الصحابة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وممن عرف من السلف بزيادة تعظيم حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ثم أيوب السختياني ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل والبخاري، فمن هذه الأداب:

1- إخلاص النية لله تعالى عند بدء السماع، فإنه أقرب للقبول وأرجى للمأمول، من رضى الجليل والثواب الجزيل.

2- الوضوء قبل سماع الحديث النبوي الشريف والمحافظة على الطهارة من الحدث والنظافة من الخبث، وتجديد الضوء حال التعب أو النعاس، روى القاضي عياض في (الشفا): (كان مالك بن أنس لا يحدث بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا وهو على وضوء إجلالاً له).

3- السبق في الحضور إلى المجلس والتبكير إليه قبل وصول الشيخ.

4- التواضع في الجلسة وجمع الأطراف، قال العلموي في كتابه (المعيد في أدب المفيد والمستفيد) عند الحديث عن الأدب مع الشيخ: (وأن يجلس بين يديه متأدباً بسكون وإطراق رأس وخضوع وتواضع وخشوع وجلوس الافتراش أو التورك، ويحسن هنا الإقعاء المستحب على وجه في الجلوس في السجدتين في الصلاة، وهو أن يفترش قدميه ويجلس على بطونهما، ويتعاهد تغطية أقدامه وإرخاء ثيابه، ولا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة، ولا يعطي الشيخ جنبه ولا ظهره).

5- السكينة والوقار تأدباً مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وكلامه، وأن يخشع السامع لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيتمثل نفسه حاضراً بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، (روي عن محمد بن سيرين أنه قد يكون يضحك فإذا ذكر عنده حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- خشع)، ومن السلف الصالح من كانت تأخذه رعدة ومنهم من كان يتغير لونه مما يجد في قلبه من الهيبة والإجلال لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

6- الانصراف إلى حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالكلية، وعدم الالتفات إلى ما يقطع المجلس من الأمور الدنيوية، كالهاتف فينبغي إغلاقه، أو كالنظر في الساعة فإنه علامة على الملال، (قال عبد الله بن المبارك: كنت عند مالك وهو يحدثنا فلدغته عقرب ست عشرة مرة وهو يتغير ويصفر ولا يقطع حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما فرغ من المجلس وتفرق عنه الناس، قلت له يا أبا عبد الله رأيت منك اليوم عجباً، قال: إنما صبرت إجلالاً لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-).

7- الإنصات حال قراءة الشيخ، وعدم مقاطعته، لئلا يفوته شيء من الحديث الشريف، ولكيلا يشوش على غيره، فإن من أدب العلم حسن الإنصات، ومجالس سماع الحديث ليست مجالس شرح وتعليق، وإنما هي مجالس رواية يقرأ فيها الكتاب المقصود سرداً، ولذلك فوائد عظيمة لا يستغني عنها طالب علم.

8- الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- عند ذكر اسمه الشريف أو ضمير يرجع إليه -صلى الله عليه وآله وسلم-، والترضي عن الصحابة الكرام، والسلام على آل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا مر ذكرهم، والتسبيح لله تعالى أو التكبير عند سماع أخبار المعجزات النبوية، والبشارات الربانية للمؤمنين، ويفعل الطالب جميع ذلك بصوت منخفض يسمعه من إلى جانبه.

9- الالتزام بآداب مجالس العلم عامة، فلا يتكلم مع أحد لغير ضرورة ولو همساً، ولا يرفع صوته بالضحك وإن جرى ما يثيره، وأن لايعبث بشيء في يده أو بلحيته، وقد جمع عبد الباسط العلموي بعض هذه الآداب في كتابه (ص 68) فقال: (ولا يلتفت عنه يميناً وشمالاً وفوقاً وتحتاً وأماماً ووراء من غير ضرورة، ولا يضطرب لصيحة يسمعها، ولا يضع يده على لحيته أو فمه أو يعبث بها في أنفه، ولا يشبك أصابعه ولا يكثر التنحنح من غير حاجة ولا يبصق ولا يمتخط ولا ينخع ما أمكنه، وإذا كان كذلك فليأخذها بمنديل ونحوه من فمه، ولا يتجشأ ولا يتمطى ولا يكثر التثاؤب، وإذا تثاءب ستر فاه بعد رده جهده، وإذا عطس خفض صوته جهده، وستر وجهه بمنديل ونحوه، ويكون ساكناً مطمئناً وقوراً) ثم قال: (ومن تتمات ما نحن فيه أنه لا يسارر في المجلس ولو في مسألة، ولا يغمز أحداً، ولا يكثر كلامه بغير ضرورة، ولا يحكي ما يضحك منه أو ما يتضمن سوء أدب، ولا يأت بما لم يسأله شيخه عنه، ولا يسأل شيخه ما لم يستأذنه أولاً، ولا يضحك من غير عجب دون الشيخ، فإن غلبه الضحك تبسم بغير صوت).

10- ومن أدب مجلس الحديث تقديم آل البيت النبوي الشريف، فإنه كلام جدهم -صلى الله عليه وسلم- وهم أولى الناس به، وتقديم أولي الفضل من أهل العلم والصلاح.

11- ومن أدب مجلس الحديث أن لا يقوم أحد للداخل ولو كان شيخ الإسلام، فإن حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أولى بالتعظيم.

12- النظر في الكتاب، فإنه يعين على الحفظ لاشتراك السمع والبصر معاً في التحمل، وتوقير الكتاب برفعه باليدين أو وضعه على كرسي يحمله، وليحذر طالب العلم من وضع الكتاب على الأرض لما فيه من الإهانة، وليتجنب وضعه على فخذيه لما فيه من الاستخفاف، وليطيب ظاهر الكتاب إن استطاع، كذلك ينبغي أن يرفع القلم عن الأرض، بل يضعه على أذنه أو في مكان مرتفع، ولا يغلق الكتاب عند انتهاء الدرس ويترك القلم فيه علامة على الموضع الذي وصل إليه فإنه يسرع في تلف الكتاب.

------------------------
المصدر: مسودة كتاب (لطائف التواشيح فيما يحتاج إليه قارئ المسند الصحيح) للشيخ محمد اليعقوبي، بتصرف.