سعة علم النبي صلى الله عليه وسلم

إن من عظمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم علومه التي آتاه الله عز وجل إياها فقد أمره بأن يستزيد من العلم فقال: (وقل رب زدني علما ً) وأثبت له العلم فقال: (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك مالم تكن تعلم) وورد في الصحيحين أفضليته في العلم حيث قال صلى الله عليه وسلم: (إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) وفي رواية الأصيلي (أنا أعرفكم بالله).


بل هو أكثر الأنبياء والمرسلين علما ًلأنه أوتي علومهم كلها كما روى الحافظ أبو بكر بن عائذ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما ولد النبي صلى الله عليه وسلم قال في أذنه رضوان خازن الجنان أبشر يا محمد فما بقي لنبيٍ علم إلا وقد أعطيته فأنت أكثرهم علماً وأشجعهم قلباً) وهذا مرسل أرسله سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما ومرسل الصحابي وصل وحكمه حكم الرفع.

وورد في الصحيحين ما يدل على علمه الشامل العام وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (سلوني لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم) و (شيء) نكرة في سياق النفي فهي للعموم ومع كل ذلك كان يزداد علوماً من الله عز وجل بشكل دائم فقد ورد في صحيح مسلم (إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا).

وبيان سعة علوم النبي صلى الله عليه وسلم من خلال أربعة أدلة:

الدليل الأول:

هذا القرآن الذي أقرأه الله إياه وجمعه له في صدره وعلمه إياه وبينه له قال الله عز وجل: (إن علينا جمعه وقرآناه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) ومعناها (إن علينا) أن نجمع لك هذا القرآن في صدرك وعلينا إثبات قراءته في لسانك ثم نتكفل لك ببيانه .

ثم إن هذا القرآن فيه كل شيء كما قال الله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وكما قال الله تعالى (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) فهو وإن كان قليلاً في حجمه وعدد أوراقه ولكن من إعجاز الله عز وجل في قرآنه أنه في أوراقه القليلة يجمع العلوم والفنون

قال الله عز وجل: (رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة)

وإليه يشير قوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم).

وقد قال سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه فيما رواه سعيد بن منصور: (من أراد علم الأولين والآخرين فليتل القرآن)

كما قال سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حرف حدّ ولكل حدّ مُطّلَع) رواه الطبراني والبغوي وابن حبان

كما قال سيدنا علي كرم الله وجهه: (لو تكلمت لكم على سورة الفاتحة لأوقرت سبعين جملاً)

قال الزركشي (في القرآن علم الأولين والآخرين وما من شيء إلا ويمكن استخراجه لمن فهمه الله تعالى حتى إن بعضهم استنبط عمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين سنة من قوله تعالى في سورة المنافقون }ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها{ فإنها رأس ثلاثٍ وستين سورة)

· وإذا ماقرأنا في السنة النبوية المطهرة فإننا سنجد إشارات من المصطفى صلى الله عليه وسلم تشير إلى خصائص الكلمات القرآنية كما روى أبو داوود والترمذي عن المهلب بن أبي صفرة قال:حدثني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن بُيِّتُّم الليلة فقولوا:حم لاينصرون) قال ابن كثير:هذا إسناد صحيح
· كما أننا سنجد إشارات إلى خصائص الآيات القرآنية كآخر آيتين من سورة البقرة حيث قال عليه الصلاة والسلام {لايقرأ بهن في دار فيقربها شيطان} قال الحاكم:صحيح على شرط مسلم
وكالعشر الأوائل والأواخر من سورة الكهف وأنها تعصم من الدجال فيما رواه مسلم
· كما أننا سنجد إشارات إلى خصائص السور القرآنية
كخصائص سورة يس في تخفيفها عن الميت
وكخصائص سورة الدخان في أن من قرأها في ليلة أصبح مغفوراً له
وكخصائص سورة تبارك في وقايتها من عذاب القبر
وكخصائص سورة البقرة
وكخصائص المعوّذات وحصانتها لقارئها
· كما أننا سنجد في بعض الروايات حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إشارات القرآن الخفية كما روى احمد عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح علم النبي صلى الله عليه وسلم أن قد نعيت إليه نفسه)

الدليل الثاني:

السنة النبوية التي أنزلها الله تعالى عليه

قال الله تعالى (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً)

وقال تعالى (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيراً)

والحكمة هي السنة النبوية كما نَقل الحافظ ابن كثير عن جمهور التابعين كالحسن البصري وقتادة ومقاتل بن حيان وغيرهم كما أن السنة تشمل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله وإقراره

وقال الله تعالى: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان) والميزان المقرون بالكتاب هنا هو الحكمة المقرونة مع الكتاب هناك لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً

ومما يدل على أن السنة ميزان حديث مسلم (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد)

وفيما تقدم دليل على أن السنة نزلت بالوحي وهو مصداق قوله تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو إلى وحي يوحى)
إن هو – أي مانطقه -إلا وحي يوحيه الله إليه

ويؤيده ما رواه أبو داوود والترمذي عن المقداد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه) والمراد بـ (ومثله معه) السنة كما ذكر جمهور كثير من العلماء

كما يؤيده ما رواه البيهقي بإسناده عن حسان بن عطية قال: (كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياها كما يعلمه القرآن)

وكثيراً ما وردت روايات صحيحة يُسأل فيها النبي صلى الله عليه وسلم سؤالاً فينزل عليه الوحي وتظهر عليه أعراضه حتى إذا سري عنه أجاب بما هو سنة وليس بقرآن

الدليل الثالث:

إظهاره صلى الله عليه و سلم على المغيبات :

قال الله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه و من خلفه رصدا)

و قال تعالى : (و إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلما نبأت به و أظهره الله عليه عرف بعضه و أعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير)

و قد كان إظهاره صلى الله عليه و سلم على المغيبات من عدة وجوه

· منها اطلاعه صلى الله عليه و سلم على بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة الجنة و أهل النار النار ففي الصحيحين عن سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : ( قام رسول الله صلى الله عليه و سلم فينا مقاماً ما ترك فيه شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره علمه من علمه و جهله من جهله ) قال سيدنا حذيفة رضي الله عنه : و قد كنت أرى الشيء قد كنت نسيته فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب فرآه فعرفه وفي رواية للبخاري ( قام ..... فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة الجنة و أهل النار النار ) و لمسلم (فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة) ولأبي داود عن سيدنا حذيفة رضي الله عنه ( و الله ما ترك رسول الله صلى الله عليه و سلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعداً إلا سماه لنا باسمه و اسم أبيه و اسم قبيلته )
· ومن وجوه إظهاره صلى الله عليه و سلم على المغيبات إطلاعه على العوالم الأخرى كما صح في أحاديث الإسراء و المعراج من حديثه صلى الله عليه و سلم عن عالم السماوات و عالم العرش و عالم الكرسي و عالم البرزخ و صفات الملائكة روى أبو داود قوله صلى الله عليه و سلم ( أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام خفقان الطير السريع )
روى الترمذي و أحمد و غيرهما عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال: ( إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي عز و جل فقال لي : يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : لا أدري - و فيه أن الله تعالى أفاض على النبي صلى الله عليه و سلم العلوم حتى قال - فتجلى لي كل شيء و عرفت) وفي رواية: ( فعلمت ما في السماوات و ما في الأرض ) وفي رواية الطبراني : ( فعلمني كل شيء ) وفي رواية له: ( فما سألني عن شيء إلا علمته ثم قال لي يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت في الكفارات و الدرجات ) .
· ومن تلك الوجوه: عرض الأمم عليه صلى الله عليه وسلم كالحديث الصحيح (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط ....الحديث) وكحديث الطبراني قالe (عرضت علي أمتي البارحة لدى هذه الحجرة حتى لأنا أعرف بالرجل منهم بصاحبه صوروا لي في الطين).
· ومن تلك الوجوه رفع الدنيا وإراءته إياها عليه الصلاة والسلام كما روى الطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن الله قد رفع لي الدنيا فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة كأنما أنظر إلى كفي هذه) ولمسلم (ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار)
· ومن تلك الوجوه :مكاشفة النبيe لما في النفوس والضمائر كما ثبت في الأحاديث الصحيحة
· ومنها إخباره بالأشياء قبل وقوعها كما ثبت واستفاض عنه صلى الله عليه وسلم

ملاحظتان

الأولى :لا تعارض بين قوله تعالى ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) أو قوله تعالى ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) أو قوله تعالى ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ) إذ إنها تنفي علم الغيب عن غير الله تعالى وبين قوله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ...الآية) أو قوله تعالى (وأنبئكم بما تأكلون وماتدخرون في بيوتكم) إذ إنهما تثبتان علم الغيب للرسول

فيجمع بين هاتين الطائفتين من الآيات بأن علم الغيب المنفي عن الرسول هو علم الغيب المطلق المحيط بكل شيء كلياً وجزئياً فإن ذلك لله تعالى وحده

أو يجمع بين هاتين الطائفتين من الآيات بأن علم الغيب المنفي عن الرسول هو العلم الغيبي الذي هو من قبل نفسه فيكون معنى الآية (ولا أعلم الغيب )أي من قِبل نفسي إلا أن يعلمني الله تعالى .

الملاحظة الثانية:

لا يجوز إنكار اطلاع الأولياء على بعض المغيبات فقد ورد في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لقد كان فيمن قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر) وللبخاري (لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمتي أحد منهم فعمر رضي الله عنه)

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:

والمحدث هو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدثه غيره به وقيل:مكلم أي تكلمه الملائكة بغير نبوة, وهذا ورد من حديث أبي سعيد مرفوعاً ولفظه: (قيل يا رسول الله كيف يحدث ؟ قال: تتكلم الملائكة على لسانه) وقوله: (فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر) لم يرد مورد التردد بل هذا من باب التأكيد كما يقول الرجل: إن يكن لي صديق فإنه فلان يريد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء عنه ولذا ورد في الترمذي عن ابن عمر أن النبي e قال (إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه ) ا.هـ كلام الحافظ

· ومما يدل على أن الأولياء قد يطلعهم الله على المغيبات ما رواه الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ـ ثم قرأ(إن في ذلك لآيات للمتوسمين)
· وروى البزار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم)
· ومن ذلك قصة سيدنا عثمان رضي الله عنه عندما كاشف رجلاً نظر إلى لأجنبية وغير ذلك كثير.

الدليل الرابع:

علمه صلى الله عليه وسلم بأصناف المخلوقات وأنواع أمم الحيوانات وتفصيل أمورها:

· روى الطبراني باسناد0رجاله رجال الصحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال [لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في السماء طائر يطير بجناحيه إلا ذكر لنا منه علماً]

ونكتفي بهذه الإشارات البسيطة إلى سعة علم النبي صلى الله عليه وسلم لأننا لو استعرضنا شواهد السيرة النبوية والسنة المطهرة على سعة علم النبي صلى الله عليه وسلم لكتبنا الكثير الكثير فيارب بحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ارزقنا اتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وارزقنا حبه والمعرفة به وأرنا وجهه الكريم في اليقظة والمنام يا رحيم ويا رحمان ويا حنان ويامنان يا أرحم الراحمين و صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم

وهذا البحث مختصر من كتاب

(سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم شمائله الحميدة خصاله المجيدة)

من صـ-130- وحتى- 166-