الإعلام النبوي في السلم والحرب

إن انتشار أي فكرة وظهور أي حزب وشيوع أي معتقد لا يتم إلا بتوفير القاعدة القوية من الإعلام...ومن هنا لم يتوان رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبليغ الدعوة، وإنما استخدم كل وسائل الإعلام وذللها لهذه المهمة

 

مقدمة :


الحمد لله الذي نصب لنا الجوار المنشات في البحر كالأعلام، تذكرة وعبرة لأولي الألباب والأفهام، والصلاة والسلام على من أمره الله بنشر رسالة الإسلام، فاستعان لذلك بكل وسائل الإبلاغ والإعلام، والرضى عن آله وصحبه الكرام. وبعد:

فإن انتشار أي فكرة وظهور أي حزب وشيوع أي معتقد لا يتم إلا بتوفير القاعدة القوية من الإعلام...
ومن هنا لم يتوان رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبليغ الدعوة، وإنما استخدم كل وسائل الإعلام وذللها لهذه المهمة، بل سارع في استخدام وسائل أو صور جديدة لتبليغ الدعوة ونشر الرسالة التي عهد الله بها إليه، وفي هذه الورقات نشير لنماذج من جهد رسول الله في إعلامه وإبلاغه لرسالة الإسلام...
والهدف من هذا الطرح هو التأمل في جهد رسول الله في إعلامه وإبلاغه للدعوة على قلة وندرة ما يملكه من وسائل إعلامية. قال الأستاذ سعيد علي بن ثابت في دراسته عن (الإعلام النبوي) بعد أن ركز جهده على خطب النبي صلى الله عليه وسلم : ونحن إذ نؤصل للإعلام الإسلامي في أمس الحاجة إلى التعرف على الإعلام النبوي لما له من أهمية علمية بالغة , ولما انبنى عليه من آثار جليلة ولحسن تبليغه وتطبيقه ؛ ولذا فإني أسعى من خلال هذه الدراسة إلى إبراز الجوانب الإعلامية في خطب الرسول صلى الله عليه وسلم لمعرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الاتصال بالناس وتبليغه الرسالة الإعلامية بفاعلية واقتدار(موقع / الإسلام / الأوقاف السعودية).
وقد حضنا رسول الله على الإبلاغ والإعلام لرسالة الإسلام بقوله: "بلغوا عني ولو آية ". ومن هنا فإنه بما آتاه الله من الحكمة قد تخير لكل وقت صوراً لإبلاغ الدعوة، فلكل عهدٍ وسائله وسبله... وها نحن نسرد نماذج من إعلام رسول الله بنوعيه : المدني ( السلمي) والحربي.


** أولا : إعلام رسول الله المدني أو السلمي:


لما كان الإعلام يتبع قوة الدولة وضعفها، فإذا قويت قوي إعلامها، وإذا ضعفت ضعف، فإن إعلام رسول الله تميز بين عهدين مكي ومدني وذلك تبعاً لقوة الدولة وكمال سيادتها.


** أساليب الإعلام النبوي في العهد المكي:


العهد المكي عهد بداية وضعف وسرية ومسالمة، وقد تميز ذلك العهد عموماً باضطهاد الدعوة وأتباعها، ولذلك كان رسول الله يعتمد على تبليغ دعوته بالأساليب الفردية السرية، أو العاطفية والعصبية القبلية... ومن هذه الأساليب:


أ ـ الخطاب الدعوي الإعلامي المعتمد على العاطفة والعصبية القبلية:

إن أي خطيب إعلامي أو سياسي يرتكز لنشر أي فكرة أو أي خبر على قوة البيان الإعلامي عنده.. ورسول الله قد تخير أفضل السبل وأقوى الأساليب لمرحلة إعلان الجهر بالدعوة، كما وشح إعلانه بالخطاب العاطفي والعصبية القبلية مع الحملة الدعائية الصادقة لشخصه الكريم صلى الله عليه وسلم .
فقد أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال لما نزلت " وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ " (الشعراء:214) صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر! يا بني عدي! لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا.ً قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد .


**الوقفات الإعلامية في هذا الخطاب:


1ـ عمد النبي إلى الصفا للشروع في خطبته وذلك لمناسبة الحال ولوضوح الصوت والصورة لسائر المجتمعين حوله.

2ـ التركيز على العصبية القبلية (يا بني فهر.... لبطون قريش ولم يعمم الخطاب: يا أيها الناس مثلاً).

3ـ الحملة الدعائية الصادقة لشخصه الكريم صلى الله عليه وسلم ، عندما قال : أكنتم مصدقي؟؟ قالوا: نعم!!! ما جربنا عليك إلا صدقاً... وهذا إقرار منهم بصدقه فهو أقوى من الشعارات البراقة التي يستخدمها أصحاب كل حملة انتخابية فهذا إقرار وذاك ادعاء .


ب ـ الاجتماعات السرية في العرض على القبائل:


لما يئس النبي صلى الله عليه وسلم من إيمان أهل مكة عمد لنشر الدعوة بطرق جديدة، فاختار لذلك عرض الدعوة على القبائل في موسم الحج، ولما أن هيأ الله تعالى له الأنصار من الأوس والخزرج فقبلوا الدعوة وآمنوا به بدأ النبي تحركه الدعوي والسياسي والإعلامي معهم في موسوم الحج، وكانت الاجتماعات بينه وبينهم تعقد سراً، وهذا ما تقوم به جميع حركات الإصلاح في العالم حيث تبدأ نشاطها سراً للتوعية والتحذير من وضع راهن أو مستقبل مخيف، وخاصة إذا لم تكن في موضع القوة والغلبة كما كان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم .


ج ـ الجهر بالقرآن الكريم على مسامع قريش :


روى أنه لما نزلت سورة (الرحمن علم القرآن) قال عليه السلام : لأصحابه من يقرؤها منكم على رؤساء قريش ، فتثاقلوا مخافة أذيتهم ، فقام ابن مسعود وقال : أنا يا رسول الله ، فأجلسه عليه السلام ، ثم قال : من يقرؤها عليهم فلم يقم إلا ابن مسعود ، ثم ثالثاً كذلك إلى أن أذن له ، وكان عليه السلام يبقى عليه لما كان يعلم من ضعفه وصغر جثته ، ثم إنه وصل إليهم فرآهم مجتمعين حول الكعبة ، فافتتح قراءة السورة ، فقام أبوجهل فلطمه فشق أذنه وأدماه ، فانصرف وعيناه تدمع ، فلما رآه النبي عليه السلام رق قلبه وأطرق رأسه مغموما.(تفسير الرازي عند تفسير قوله تعالى : لنسفعن بالناصية)


د ـ السفراء ومهمة الإعلام والتعليم:


لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان أصحاب العقبتين قبل الهجرة إلى المدينة، بل أراد أن يطمئن على نشر الدعوة وتهيئة الأجواء لرسوخ الدين وملاءمة الحال للهجرة، فأرسل مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى المدينة مع من أسلم من أهلها، سفيراً يبلغ الدعوة وينشر رسالة الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة،

و المتأمل لمهمة مصعب رضي الله عنه يستخلص منها هذه الفوائد:

1ـ الاطمئنان و التأكد من عهود أهل المدينة المنورة التي سيهاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إليها.
2ـ نشر رسالة الإسلام وبيان تعاليمه.
3ـ إبلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمستجدات وأحوال أهل المدينة.فكان مصعب بحق سفير دولة الإسلام الأولى والمفوض العام لتنسيق وإدارة شئونها رضي الله عنه وأرضاه . وذلك قبل أن تعرف الدنيا والعلاقات الدولية هذا التمثيل الدبلوماسي الفريد الذي استخدمه النبي لنشر رسالة الإسلام.
وتابع النبي صلى الله عليه وسلم إرسال السفراء بعد الهجرة إلى أطراف العالم وقد تعددت الجهات التي أرسل صلى الله عليه وسلم رسله إليها حتى شملت جميع الممالك المحيطة بجزيرة العرب فبعث دحية بن خليفة الكلبي بكتابه وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل ليدفعه إلى قيصر، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، وبعث عبد الله بن عمرو بن أمية إلى النجاشي ملك الحبشة وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الاسكندرية، وبعث سليط بن عمرو إلى ثمامة بن أثال ، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين ، وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، وبعث المهاجر بن أمية المخزومي إلى الحارث ملك اليمن،


** أساليب الإعلام النبوي في العهد المدني:

لما استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة بدأ عصر النهضة والقوة لدولة الإسلام، وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بأساليب إعلامية جديدة تواكب عصر القوة والنهضة هذا، فبدلاً من الاجتماعات السرية في جوف الليل والخطب المتفرقة جعل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد والأذان فوقه والخطبة في وضح النهار ... بل وجهر بدعوته أمام ملوك الأرض.

ونجمل هنا بعض السبل الإعلامية في العهد المدني:

1ـ وسيلة المسجد وخطبة الجمعة:

فقد كان النبي يوجه خطابه الدعوي والتربوي للأمة من خلالهما... حيث هما السبيل القويم لنشر الدعوة وتبليغ الرسالة
وهما أول وسيلتين استخدمهما النبي في هذا العهد الجديد، بل وقبل أن يدخل المدينة إذ كانت أول خطبة جمعة له  في قباء بعد بناء مسجدها . وبذلك ينتقل إلى أسلوب الخطاب الجماعي واللقاءات العامة.
وكان إذا أراد أن يخطب أمر رجلاً أن يجمع له الناس ليستمعوا له. فقد قال لعمر رضي الله عنه ذات مرة: اجمع لي قريشاً.فعن الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذ بيدي وقد عصب رأسه، فأخذت بيده، فأقبل حتى جلس على المنبر فقال: ناد في الناس. فصحت فيهم فاجتمعوا له...
كما كان يأمر بعض أصحابه أن يعبر عنه أي يردد قوله بصوت عال. فعن هلال بن عامر عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى على بغلته وعليه برد أحمر وعليٌّ أمامه يعبر عنه ما يقول. وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة أمر ربيع بن أمية بن خلف فقام تحت يدي الناقة وكان رجلاً صيتاً فقال: اصرخ أيها الناس أتدرون أي شهر هذا؟ فصرخ، فقال الناس: الشهر الحرام ... إلى آخر الحديث.


2ـ وسيلة الأذان:

 

الأذان لغة: الإعلام. واصطلاحاً: هو الإعلام بدخول وقت الصلاة .
والأذان دعوة صريحة في قول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح لشهود الجماعة مع النبي صلى الله عليه وسلم... وقد أجاب هذه الدعوة الصحابة فما كان يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق... ولقد كان يؤتى بالرجل يتهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ... وقد وفّر الأذان السبل لاجتماع الصحابة الكرام كل يوم خمس مرات مع صيحات الأذان، فإذا عقد الاجتماع المبارك هذا جاء دور النبي صلى الله عليه وسلم ليشرح للأمة قواعد بناء الدين والدنيا...وهكذا، فمن خلال الأذان نشر الدين وعمم.


3ـ وسيلة المنبر الإسلامي:

استخدم الخطباء المنبر قديماً وحديثاً، فلا نكاد ترى خطبة إلا ولها منبر... ولقد سارع رسول الله في اتخاذ المنبر كي تكون الخطبة أوقع في النفس، لا سيما ما يصاحب المنبر من مكانه...، وما يصاحب حال رسول الله في خطبته... فجعل رسول الله المنبر الإسلامي في المسجد وسيلة إعلامية جديدة، وكان حال رسول الله في خطبته من انفعاله واحمرار عينه كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم .
وبلغ من اهتمام رسول الله بالمنبر ورسالته أنه وقف يخطب على جذع نخلة قبل أن يصنع له المنبر، وهذا تأكيد نبوي لدور المنبر وما يلقى عليه من بليغ النصح والإرشاد .


4ـ وسيلة إرسال الكتب ومخاطبة الملوك :


ومن وسائل الإعلام النبوي مخاطبة النبي لملوك الدنيا وإرساله الكتب وبعث الرسائل إليهم، حيث بدأ النبي في العام السادس للهجرة بمخاطبة الملوك للدخول في الإسلام، وذلك بعد أنْ أمّن جانب قريش حين أبرم معها اتفاقية الصلح والسلام في الحديبية ، واتخذ الخاتم ليمهر به الكتب التي أرسلها إلى الملوك .
ومن يتأمل في كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الموجهة للملوك يعلم أن النبي قد دعاهم للانضمام لدولته العظيمة، فضلاً عن الاعتراف بها وهذا أقوى وأظهر للعيان لعزة ومكانة الأمة الإسلامية.
إن إرسال الكتب ومخاطبة الملوك هو إعلان وإعلام نبوي لدعوته المطهرة للدنيا بأسرها، فأين قنوات إعلامنا الإسلامي اليوم من مخاطبة أمم وشعوب ومسئولي الأرض.
هذه نماذج من وسائل وأساليب الإعلام النبوي في حالة السلم في كل من مكة والمدينة.


** ثانيا : إعلام رسول الله الحربي:


من البديهي القول: إن اشتعال الحروب ونشوبها واستعار أوارها تغاير أحوالها حال السلم في أغلب الأمور... ومنها الإعلام... لذلك نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعلامه الحربي سبلاً تناسب مقام القتال والمعارك.. ونشير لبعض ذلك في هذه المطالب:


1ـ سبل التضليل الإعلامي زمن الحرب، "الحرب خدعة"


هذا المصطلح (الحرب خدعة) هو مصطلح نبوي حربي عسكري، استعمله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب وأرشد إليه نعيم بن مسعود رضي الله عنه بعدما هداه الله للإسلام، فأمره أن يخذل عن المسلمين ما استطاع وأذن له في التقول....

* كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استخدم التورية في الحرب أيضاً، وذلك في غزوة بدر عندما ورّى عن الشيخ البدري الذي سأله عن قريش وأخبارها؟ فقال ذاك الشيخ: لا أخبرك حتى تخبرني من أنت: فقال له رسول الله: أخبرني أخبرك. فلما أخبره سأل النبي: من أنت؟ فقال له: ( نحن من ماء) ثم انصرف .
ولا زالت الدنيا إلى يومنا هذا تعمل بهذا المبدأ من الخداع والتمويه في الحروب، ولعل أقرب مثال مر بنا في عصرنا ما تناقلته وكالات الأنباء عن تزويد روسيا للعراق بأخبار الحرب الكاذبة من عدد للقوات والأسلحة وغير ذلك. فالتضليل الإعلامي في الحرب سبق فيه رسولُ الله  قادة الحروب وإعلامييها بأسرهم... حرصاً على النصر، وللمحافظة على الأرواح كما فعل يوم الفتح ، يقول كعب بن مالك: كان رسول الله إذا أراد حرباً ورّى بغيرها .


2ـ إعلان الحرب من أجل الحرية والتحرر:


شاع في الآونة الأخيرة مصطلح الحرب من أجل التحرر أو الحرية أو استرجاع الحقوق، ولا داعي لضرب الأمثلة على ذلك فما حروب العصر الراهن إلا تحت هذا المسمى... ولو كانت كاذبة فيه.
وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخدم روح هذا المبدأ بحق وصدق، فكانت حروبه من أجل الحرية والتحرير واسترجاع الحقوق...
فمن غزوة بدر إلى فتح مكة، كانت حروبه صلى الله عليه وسلم وسراياه كلها تحافظ على هذا المبدأ وهذا الشعار... لا تخالفه أبداً.
ولعل أصدق مثال وأوضح شاهد على صدق رسول الله في شعاره الحرب من أجل الحرية : فتح مكة، فقد أعلن الحرية لأهل مكة بقوله لهم أمام البيت الحرام: اذهبوا فأنتم الطلقاء .... فما كانت حروبه للغنائم وجمع الأموال والأطماع في خيرات البلاد من نفط وغيره، بل كان يعطي من يحاربهم عطاء من لا يخشى الفقر...


3ـ وسيلة إرهاب العدو:


قال تعالى (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُم ) (الأنفال : 60) وقد أعلن رسول الله في عمرة القضاء هذا المبدأ أيضاً عندما قال: "رحم الله امرأ أراهم من نفسه قوة" كما إن رسول الله أراد أن يعلم أبا سفيان قوة المسلمين في فتح مكة ويدخل في قلبه الرعب، فأمر أن يوقف به على ثنية على طريق المسلمين وهو ينظر إلى جيش المسلمين كتيبة كتيبة، فلما مرت به كتيبة رسول الله قال أبو سفيان: من هؤلاء؟ فقال العباس بن عبد المطلب: هذا رسول الله في كتيبته الخضراء في المهاجرين والأنصار. فقال أبو سفيان: ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة .
وما فعلته قوات التحالف في غزوها الأخير للعراق من محاولة إنزال الرعب بين صفوف العراقيين، والإعلان عن استخدام قوات التحالف الأسلحة الذكية أو الإشعاعات تحت الحمراء أو البنفسجية هو من هذا القبيل.
إذن، فأول مراحل النصر هي هزيمة العدو نفسياً وهي البشائر لهزيمته فعلياً وهذا ما حرص النبي صلى الله عليه وسلم على فعله.... حيث سخر الإعلام للمعركة.


4ـ وسيلة نشيد الموت أو غناء النصر:


إذا كان الحداء يبعث بالجمال على الغذ بالسير، فإن الغناء أو النشيد بالحروب يبعث بالنفس على الثبات والإقدام... وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخدم هذه الوسيلة الإعلامية لنشر الروح المعنوية الداعية للثبات والإقدام، فارتجز رسول الله لنفسه بقوله عليه الصلاة والسلام:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب *
وذلك حين انكشف المسلمون في ساحة حنين، فرددها رسول الله مثبتاً من بقي من أصحابه معه. كما كان عليه الصلاة والسلام يحرص على التغني بالشعر والملاحم أثناء المعارك لأثرها البالغ في نفس المجاهد.... وهذا رسول الله  يحض حسان بن ثابت على هجاء المشركين بقوله: "اهج المشركين فإن روح القدس معك ".
ومازالت العرب قديماً وحديثاُ تتفاخر بمعاركها وملاحمها مع أعدائها، ومن هذا القبيل تغنت الأنصار بيوم بعاث...
وما تردده وتبثه وسائل الإعلام أثناء المعارك والحروب من الغناء الحماسي والأشعار المهيجة من هذا الباب كي تدعو النفوس إلى الثبات والإقدام.


** الخاتمة:


من خلال هذا العرض لنماذج أو مشاهد من الإعلام النبوي نجد أنه صلى الله عليه وسلم لم يترك وسيلة لتوصيل الدعوة ورسالة الإسلام إلا وسارع بها.


أقول:

إن المسلمين والأمة بأسرها اليوم مخاطبة لإيجاد إعلام إسلامي شامل، بل هي بأمس الحاجة إلى ذلك حيث أصبحت تغزى به وهي في عقر دارها، فهي بحاجة إلى إعلام إسلامي متخصص لكل فروع وعلوم الشريعة، لكي ينفي عنها ما يلصق بها من تهم، ويرد الشبه التي ربما علقت بها في قلوب أو عقول البعض...
إنها وإن كانت خطوة ننظر إليها بشك أو عدم إمكانية الوقوع، لكن ذلك لا يجيز لنا أن نبقى على السلبية والقصور، إن سائر أمم وشركات الدنيا اليوم لهم قنوات إعلامية مختصة بدأً بالغناء والطرب ثم تنتقل إلى الأفلام فالعلوم والسياسة وانتهاء بالرياضة ، ولا يوجد حتى الآن قناة إعلامية إسلامية مختصة بفرع من فروع أو علم من علوم الشريعة...
وما يوجد على الساحة الإعلامية الإسلامية اليوم ما هو إلا إعلام تربوي أو ربما ترفيه إسلامي...
ولا ننسى أننا مطالبون بتبليغ الدين والرسالة، وهذه المطالبة في نص حديث رسول الله: (بلغوا عني ولو آية) وإن الأمة الإسلامية أمة دعوة وأمة بلاغ وأمة إعلام لمنهج السماء.


اللهم وفقنا لذلك، والحمد لله رب العالمين.