الرعاية النبوية للشؤون الدنيوية

إن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم لم تقف مهمته عند هذا الحد، حد التبليغ والتوصيل، بل إنه عمل على تنفيذ ما أرسل به عملياً بكل وسيلة كريمة، خاصة وأن رسالته كانت عامة شاملة، لقد كان رسولاً هادياً، ومعلماً وقدوة، ومبشراً ونذيراً، ونبي رحمة ورسول ملحمة، وطالب آخرة ورجل دنيا، وحامل رسالة ومربي أمة، وإمام صلاة وقائد جيش، وصاحب محراب وباني دولة، جمع بين صفات الأنبياء المختارين والعباقرة المبدعين، وضم بين جنباته التوكل على الله والتسليم لقضائه وقدره،

 

الحمد لله بجميع محامده كلها ما علمنا منها وما لا نعلم، على جميع نعمه كلها ما علمنا منه وما لم نعلم، عدد خلقه كلهم ما علمنا منهم وما لم نعلم، بجميع الألسن واللغات ما علمنا منها وما لم نعلم... حمداً يليق بجلال وجه ربنا وعظيم سلطانه... حمداً يوافي نعمه ويدافع نقمه ويكافئ مزيده.

وأفضل صلاة، صلاها ربي وملائكته وخلقه وأزكاها، على خاتم الأنبياء والمرسلين، وإمام الأتقياء والعارفين، وسيد ولد آدم أجمعين: محمد بن عبد الله النبي العربي القرشي، المبعوث في الأميين نوراً وهدى ورحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر المحجلين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فليس المقصود من بحثنا هنا سرد حوادث السيرة النبوية سرداً تاريخياً مجرداً، يتتبع السنين المتعاقبة، فيورد حوادث كل سنة على حدة، أو يورد كل حادثة ثم يعقبها بما بعدها، حتى يأتي على آخر أحداث السيرة النبوية الجسام... فهذا السرد التاريخي قد استوفاه كتّاب السيرة النبوية التقليديون جزاهم الله خيرا، حتى لم يدعوا مزيداً فيه لمستزيد، ولا كلاماً لمتكلم، وهم في كل الأحوال مرجعنا المهم والأساسي في ميداننا الذي سنخوض فيه.


كما أنه ليس المقصود لنا هنا أن نجمع الأدلة الدامغة والبراهين القاطعة على صدق النبوة المحمدية والرسالة الإسلامية من خلال الإثباتات المادية والمعنوية الخاصة والعامة التي أيد الله بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم طيلة حياته، حتى جمع الكثير من الكتّاب في ذلك كتباً ضخمة يستطيع الباحث أن يلخصها تحت عنوان دلائل النبوة... وهي لا شك جهود مخلصة صادقة للعلماء الباحثين، لا تتوفر في سيرة نبي آخر ، سوى محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام.


كذلك ليس من هدفنا أبداً تناول الجوانب الشخصية الخاصة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما جمّله الله به وكمّله، وكان سبباً من أسباب اتباع الكثيرين له، وذلك ما يعرف لدى العلماء المختصين باسم الشمائل المحمدية التي أجاد فيها الكتابة والتأليف جمع غفير من العلماء المسلمين، حتى لم يتركوا ثغرة ولا صفحة ولا جانباً من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفاته الخَلْقية وأخلاقه وسجاياه وخصائصه إلا وأشبعوه بحثاً وتوضيحاً واستجلاء.


إننا نريد أن يكون بحثنا في السيرة النبوية في جانب آخر، مهم كل الأهمية، إلا أنه من أقل الجوانب إثراء وكتابة، ومصادر ومراجع، وتوضيحاً وجلاء.


لقد كان محمد بن عبدالله صلوات الله عليه وسلامه رسولاً من رسل الله، بل خاتم الرسل والأنبياء، وآخر حلقة في سلسلة النبوات الكريمة التي بعثها الله في خلقه لتبلغهم كلامه المنزل وشرعه المحكم، وتوصل إليهم الرسالة التي أرسلوا بها وكلفوا بحملها... وهكذا حقق الرسل الكرام جميعاً ـ ومنهم محمد بن عبدالله ـ عليهم السلام معنى التبليغ والإعلام، وقاموا بمهمتهم تلك خير قيام.


إلا أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم لم تقف مهمته عند هذا الحد، حد التبليغ والتوصيل، بل إنه عمل على تنفيذ ما أرسل به عملياً بكل وسيلة كريمة، خاصة وأن رسالته كانت عامة شاملة، لقد كان رسولاً هادياً، ومعلماً وقدوة، ومبشراً ونذيراً، ونبي رحمة ورسول ملحمة، وطالب آخرة ورجل دنيا، وحامل رسالة ومربي أمة، وإمام صلاة وقائد جيش، وصاحب محراب وباني دولة، جمع بين صفات الأنبياء المختارين والعباقرة المبدعين، وضم بين جنباته التوكل على الله والتسليم لقضائه وقدره، واللجوء إليه بكل أحاسيسه ومشاعره، والتخطيط لإقامة عالم رحب واسع تتمثل فيه بصورة كاملة كل عناصر الحياة المادية والمعنوية المبنية على قواعد المنهج الرباني، فهيأ لذلك كله أسبابه كلها، ووضع لأعظم ما في هذا الجانب القواعد الثابتة الراسخة التي ظهرت كثير من ثمراتها في حياته، وامتد ظهورها بعد وفاته، حتى تحققت له الوعود الربانية التي جاءت في قوله تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) الفتح/28 فانتشر الإسلام في أطراف الأرض، وأنشأ فيها على مر العصور الأممَ والمماليك والحضارات والدول، وكان نداً لكل ما حوله من شعوب قديمة عريقة أو إمبراطوريات شاسعة واسعة أو تكتلات سياسية واقتصادية وعريقة... بل كان عاملاً مهماً لرقي الإنسان وتطور المعارف البشرية وتقدم الإنسانية في مضمار الاختراعات وتسخير الموارد الطبيعية واكتشاف القوانين الكونية.


إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجل دولة بكل معنى الكلمة، وكان يتصرف منذ اللحظات الأولى لدعوته في هذا الإطار ويسعى في هذا المسار، ولن نستثني أو نغفل أو نتجاهل من هذه النظرة الفترةَ المكية التي تميزت بكثير من السكون والصمت، أو التخفي والسرية، بل كان في تلك الفترة من الدلائل الكثيرة الواسعة على حنكة النبي صلى الله عليه وسلم وحكمته، وسعيه الحثيث نحو إنشاء جماعة تكون نواة أمة تبني دولة فيما بعد الشيء الكثير.


ولعل البعض يظن أن أمة الإسلام أو دولة الإسلام لم تظهر بوادرها ومؤشراتها إلا بعد الهجرة النبوية، أو لم تبدأ عناصرها ومؤسساتها إلا بعد الهجرة النبوية... وهذا الظن إن كان يعذر فيه من قرأ السيرة النبوية، قراءة عابرة غير دقيقة ولا فاحصة، فإنه لا يرضى به ولا يوافق عليه من وقف مع أحداثها الجليلة في الفترة المكية وقفة خبير بصير، يربط الحوادث ببعضها، ويضمها إلى مثيلاتها، فيرى بوضوح تركيز رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته على خيرة رجال قريش شباباً وشيباً، وسعيه إلى القبائل ولقاءه برجالاتها طلباً للنصرة والتحالف، وأمره أصحابه بالهجرة إلى الحبشة التماساً لجوار ملك لا يظلم من في جواره... هذا إضافة إلى وعد أصحابه المضطهدين المعذبين كخباب وبلال وغيرهما أن يشهدا بأم أعينهما ظهور هذا الدين على جميع أطراف الجزيرة العربية حتى تسير الظعينة من صنعاء إلى الشام لا تخشى إلا الله والذئب على الغنم، وحتى يفيض المال فلا يجد من يأخذه ... إن تلك الوعود لم تكن أضغاث أحلام ولا مجرد مسكنات مؤقتة يعالج بها الواقع المرير، بل كانت بشارات نبوية صادقة: إن تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم باسم الوحي، فهو كرجل دعوة ودولة لم تغب عن ناظريه لحظة واحدة، بل كانت مسيرة حياته تتجه صوبها بقوة وتصميم وتخطيط، حتى تحققت واقعاً ملموساً محسوساً.
إن الجانب الذي يتعلق ببناء دولة الإسلام في السيرة النبوية ورعاية الجانب الدنيوي والمصالح المعاشية، والادارة اليومية لفعاليات المجتمع جانب مهم جداً، إلا أنه لم يلق من العناية ما لقيه غيره من الجوانب الأخرى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كانت أخباره وأحاديثه مشمولة مغطاه بالجوانب الأخرى الأكثر بروزاً وسهولة حيناً، والأعظم ثبوتاً وفعلاً في عموم السنة النبوية حيناً آخر... لقد غطت على جملة السيرة النبوية الغزوات والسرايا مثلاً حتى ليخيل لقارئها أن ليس في سفر السيرة العظيمة إلا تلك الأنباء والأحداث... وصبغَ الأسلوبُ القصصي السردي السيرة النبوية إلى حد كبير، فانشغل المرء بملاحقة الوقائع المزدحمة عن التفكير في مغزى كثير من المواقف والمؤشرات. وربطها بما يماثلها من أحداث ووقائع.


وليس حديثنا هذا في الجانب الدنيوي من السيرة النبوية الشريفة بدعاً أو مبتدءاً، بل سبقنا إليه العلماء والباحثون على قلة، إلا أننا نذكر هنا منهم على سبيل المثال الإمام الخزاعي في كتابه (تخريج الدلالات السمعية) والإمام الكتاني في كتابه (نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية)، وكتاب (إمتاع الاسماع) للمقريزي، كما نذكر كتاب (السيرة النبوية تربية أمة وبناء دولة) لصالح أحمد الشامي، وكتاب (قراءة جديدة أو التفسير السياسي للسيرة النبوية) للدكتور محمد رواس قلعه جي، وغيرهم ممن نحا هذا النحو وسلك هذا السبيل لإبراز اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بجانب معين أو بعموم الجوانب الحياتية الدنيوية.

وسيرى القراء الكرام معنا أن البحث في هذا المضمار سيتناول ما أثر لنا ونقل، في بحر السيرة النبوية الزاخر، مما يتعلق على وجه الخصوص بالأمور الاجتماعية، والشئون الإدارية والسياسية والعسكرية، ومظاهر الحياة التجارية والصناعية والزراعية، ونظام القضاء والأمن، والاتصالات، ووسائل الدعاية والإعلام، ودور المرأة وحقوق الأقليات، وأساليب مقاومة الجريمة وإقامة الحدود والعقوبات، ونظام توزيع الثروة وتأمين الطرق، وحماية الأنفس والأموال وتبادلها والتعامل فيها، وكيفية الإعداد الجسدي والنفسي والتربوي لأفراد الأمة المسلمة في عهد النبوة...


وبإشرافه صلى الله عليه وسلم وتوجيهه، ومباشرته بنفسه مسئوليات القائد الدنيوي للأمة والراعي الأمين عليها الناصح لها الحافظ لمصالحها المحقق لتطلعاتها الساعي نحو رفاهيتها وسعادتها في الدنيا قبل الآخرة، مصداق قوله سبحانه (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)


وإذا كنا نركز النظر ونردده ونرجعه في هذا الجانب من السيرة النبوية فنحن نؤكد مرة أخرى أن محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم) كان أولاً وقبل كل شيء رسول الله بعثه من عنده، وأنزل عليه وحيه، وأمره بالتبليغ للناس وأوجب عليه مهمات الدعوة إلى الله وإيصال الخلق إلى طريق الحق ودعوة العباد إلى سبيل الرشاد، فكان تأييد الله تعالى له ظاهراً، وتوفيقه إياه بارزاً، وعنايته به محيطة (والله يعصمك من الناس) فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى لقي ربه راضياً مرضياً... اللهم صل وسلم عليه وبارك، واجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، وارفع مقامه في النبيين والمرسلين.


إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة والأسوة (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وليس هذا المبدأ الثابت الأصيل في ديننا مخصوصاً في عصره وزمنه وبأصحابه ومن كان معه، بل هو سار في الأمة إلى يوم الدين في كل عصر وحين ومكان وموقع وحال وشأن ودين ودنيا وعام وخاص على حد سواء. والسيرة النبوية بجميع وجوهها وأحداثها هي ملاذ المسلمين ومآبهم ومَوْردهم ومصدرهم، ونقطة الضوء التي لا خلاف فيها في حاضرهم وماضيهم ومستقبلهم، وأهميتها الدنيوية لحياتهم ومصالحهم لا تقل عن أهميتها الدينية لآخرتهم ومصيرهم