البشارات و الإشارات في الإنجيل و التوراة

ذِكره سبق مولده الشريف, والبشارات بذكره في الكتب الكريمة ظاهرة مضيئة كَالنجم السيار, فأبدت معاني صفاته التي لا يمكن لها إنكار, ولم يبق منها إلا القرآن الكريم وقد ورد فيه مدح حبيب الله بلا حدٍ ولا مقدار, فصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) (سورة آل عمران: 81)

 

كما قال (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (سورة الأعراف: 157)

"وكانت البشارات في كل وقت وحين إلى مبعث سيدنا عيسى و سيدنا يحيى عليهما السلام لتوضح أنه صفوة الخلق الرسول المختار, حيث بين القرآن الكريم بشارات سيدنا عيسى لقومه في قوله: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (سورة الصف:6). كما وضَّح أنه رفع سيدنا عيسى إلى السماء بعد ما توفاه بالنوم وحجبه عن الأبصار, وخلصه من أذية اليهود القوم الأشرار, لأنه هو العائد في آخر الزمان بدين النبي المختار, فعند نزوله يقتل الخنزير ويكسر الصلبان, ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام, ويمحو من النصرانية الآثار (ابن كثير, 1974م: 2/90-91).

وقد ورد في التوراة والإنجيل بشارات بالمبعوث رحمة للعالمين, فكانت البشارات عبر الأزمان وفي كافة الأقطار, بمبعث فخر بني عدنان وأرفعهم مقداراً, الذي تحدثت عنه العامة والرهبان والأحبار, وقد أفصح إنجيل برنابا باسمه الصريح دون إسرار, فقال في الفصل التاسع والثلاثين ذَكر سيدنا آدم أنه لما انتصب على قدميه في حضرة الجبار رأى في الهواء كتابة تتألق كالشمس نصُّها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) (ففتح حينئذ آدم فاه وقال أشكرك أيها الرب الهي لأنك تفضلت فخلقتني ولكن أضرع إليك أن تنبئني ما معنى هذه الكلمات (محمد رسول الله) فأجاب الله مرحبا بك يا عبدي آدم. وإني أقول لك إنك أول إنسان خلقت.

والذي رأيته إنما هو ابنك الذي سيأتي إلى العالم بعد الآن بسنين عديدة. وسيكون رسولي الذي لأجله خلقت كل الأشياء. الذي متى جاء سيعطي نوراً للعالم. الذي كانت نفسه موضوعة في بهاء سماوي ستين ألف سنة قبل أن أخلق شيئاً. فضرع آدم إلى الله قائلاً يا رب هبني هذه الكتابة على أظفار أصابع يدي. فمنح الله الإنسان الأول تلك الكتابة على إبهاميه على ظفر إبهام اليد اليمنى ما نصه لا إله إلا الله. وعلى ظفر إبهام اليد اليسرى ما نصه محمد رسول الله. فقبـَّل الإنسانُ الأول بِحُنُوٍّ أَبَويّ هذه الكلمات. ومسح عينيه وقال بورك ذلك اليوم الذي ستأتي فيه إلى العالم) (برنابا, 1406هـ: 53).

وقد جاء الإخبار بنبوته في التوراة (سأقيم لهم نبياً من وسط أخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به) وبهذا يظهر أن النبي المختار, هو من أبناء سيدنا إسماعيل أخو سيدنا اسحاق عليهما السلام وأن سيدنا موسى هو من بني إسرائيل وأخوه سيدنا محمد من بني إسماعيل عليهما السلام وبقوله أجعل كلامي في فمه فظاهر هو سيدنا محمد لأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب فيوحي الله إليه فينطق فمه بما يوحي به إليه الله ولم يقم نبي أمي سواه منذ أن خلق الله الدنيا إلى بعثته بالنبوة والرسالة إلى كافة الأمصار (ماضي, 1395هـ: 102-104)." اهـ

"كما ورد في سفر إشَعْيَاءَ في الأصحاح الثاني والأربعين في العدد الأول ما نصه: (هو ذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سُرَّت به نفسي. وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم…… إلى الأمان يخرج الحق. لا يَكَلُّ ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائرُ شريعتهُ). كما ورد في العدد الحادي عشر (لِترفَعِ البريةُ ومُدنُها صوتَها, الديار التي سكنها قيدار, لتترنم سكان سالع. من رؤوسِ الجبالِ ليهتفوا. لِيُعْطُوْا الرَبَّ مَجْدًا ويخبروا بتسبيحه في الجزائر) كما ورد في العهد الجديد في إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا العديد من البشارات.

ففي إنجيل متى في الأصحاح الحادي عشر ورد: (وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيلياأ الـمُزْمِعُ أن يأتي من له أُذُنان للسمع فليسمع) وليعلم أُوْلِي الأفهام أن إيلياأ حسب مجموع حساب أبجد حسب القاعدة التي كان يراعيها اليهود في شريعتهم هو نفس مجموع أحمد.

كما ورد في الأصحاح الأول من إنجيل مرقس: (يأتي بعدي من هو أقوى مني الذي لستُ أهلاً أن أَنْحَنِي وأَحُلَّ سيورَ حذائهِ). وقد ورد في إنجيل يوحنا في الأصحاح الأول أنه عندما سئل سيدنا يحيى فقالوا له من أنت؟ فاعترف ولم ينكر وأقر بقوله: لست أنا المسيح, فسألوه: إذاً ماذا إيلياأ أنت؟ قال: لست أنا… النبي أنت؟ فأجاب لا. فقالوا له: من أنت لنعطي جواباً للذين أرسلونا. ماذا تقول عن نفسِك؟ قال: أنا صوتُ صارخٍ في البرِّيَّة قوِّموا طريق الرب كما قال إشعياءُ النبي, وكان المرسلون من الفرّيسيينَ, فسألوه وقالوا له: فما بالك تُعَمِّدُ إن كنت لست المسيح ولا إيلياأ ولا النبي؟ أجابهم يوحنا قائلاً أنا أُعَمِّدُ بماء. ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه. هو الذي يأتي بعدي الذي صار قُدَّامي الذي لستُ بمستحقِّ أن أحُلَّ سُيُورَ حِذاّئهِ.

ويتضح مما سبق أن بني إسرائيل كانوا ينتظرون ظهور إيلياأ وهو لم يبعث في فترة سيدنا يحيى وسيدنا عيسى عليهما السلام لذلك جاء في الأصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا قول المسيح : (إن كنتم تُحبونني فاحفظوا وصايايَ وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معذباً آخرَ ليمكثَ معكم إلى الأبد روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه) وقد ورد في الأصحاح السادس عشر: (وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كلُّ ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتيةٍ ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم). ورغم هذه البشارات إلا أن الهداية لم يقسمها الله إلا لمن خصهم وقدر لهم النجاة, فقد عرفه أقوامٌ, وظلماً أنكروه. وصدق القائل:

كَـتَـمَتِ الـــشــهـادةَ الــشـهداءُ *** عرفوه و أنـــــكـــروه و ظــــلـــمـاً
و هو الـذي بـه يُــــستــضــــاءُ *** أوَ نورَ الإلـــــهِ تـــطـــفئــه الأفواهُ

أورد الواقدي عن ثعلبة بن هلال فيما ورد عن صفات النبي في توراة بني هارون وهي: (أحمد من ولد إسماعيل بن إبراهيم وهو آخر الأنبياء - وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف, يأتزر على وسطه ويغسل أطرافه, في عينيه حمرة وبين كتفيه ختم النبوة, ليس بالقصير ولا بالطويل, يلبس الشملة ويجتزئ بالبُلغة, ويركب الحمار ويمشي في الأسواق, سيفه على عاتقه لا يبالي من لقي من الناس, معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان, ولو كانت في عاد ما أهلكوا بالريح, ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة, يولد بمكة وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب - وهو الحمَّادُ يحمد الله شدة ورخاء, سلطانه بالشام وصاحبه من الملائكة سيدنا جبريل , يلقى من قومه أذى شديداً ثم يُدال عليهم (بمعنى تكون له الدولة) فيحصدهم حصداً. تكون الواقعات بيثرب, منها عليه, ومنه عليها, ثم له العاقبة - معه قوم هم أسرع إلى الموت من الماء من رأس الجبل إلى أسفله صدورهم أناجيلهم وقربانهم دماؤهم. ليوث النهار رهبان الليل يرعب عدوه مسيرة شهر يباشر القتال بنفسه ثم يخرج ويحكم لا شُرَطَ معه ولا حرس - الله يحرسه) (الطهطاوي, د.ت: 7).

وقد أشارت الكتب السماوية بذكر خير البرية وكل ما ورد في الكتب القديمة من دلالات وحجج ظاهرة, وبراهين وبيانات, تؤكد مبعث الرسول الأمين, كما أن كل ناظر منصف إلى ما ورد في الإنجيل, يدرك ويستدل دلالة ليس فيها إبهام على أن ما في الإنجيل ليس آخر رسالات رب العالمين, ولم تتم به رسالات الله للرسل والنبيين, بل سيأتي بعد سيدنا عيسى نبي آخر تكمل به رسالة المسيح بن مريم عليهما السلام.

أما رسالة الحبيب محمد سيد الأولين والآخرين فإنها كاملة تامة فقد ورد في القرآن المبين قول الحق (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) (سورة المائدة: 3) كما أن سيد النبيين أوضح للمسلمين أنه لا نبي بعده وأنه آخر لبنه في بناء النبوة فرسالته إلى يوم الدين وهي محفوظ بقول الحق (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (سورة الحجر: 9) (الندوي, 1404هـ: 165)."


فصلِّ اللهم على سيد المتقين وأكرم
نزله في الأولين والآخرين