حديث عن شمائل النبي صلى الله عليه وسلم

 

الحمد لله رب العالمين حمداً يرضى به ربنا تبارك وتعالى ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين ، وهادي العباد إلى الصراط المستقيم ، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الأبرار المتقين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فإن أحق مانتحدث به في هذا اليوم يوم ميلاد الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام هو الحديث عن فضائله وشمائله لتكون معرفتها سبباً في حبنا له صلى الله عليه وسلم فقد وصفه أصحابه رضي الله عنهم بأنه من خالطه معرفة أحبه ، فالمعرفة به صلى الله عليه وسلم وبشمائله هي باب محبته عليه الصلاة والسلام ، وهذه المحبة هي الباب الأوسع لاتباعه صلى الله عليه وسلم ، واتباعه هو اتباع لكتاب الله تبارك وتعالى لإنه كما قالت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها : كان خلقه القرآن ، فمن تخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم فقد تخلق بأخلاق القرآن واستحق مايستحقه الذين يتخلقون بأخلاق القرآن من عظمة المكانة عند الله ومن التأييد والعون والنصر في الدنيا

بماذا نال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتوحات العظمى ؟؟؟!
الفتوحات في البلاد والممالك والفتوحات في قلوب الناس الذين اجتذبوهم إلى هذا الدين ، إنهم لم ينالوا ذلك إلا باتباعهم وحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحبه صلى الله عليه وسلم واتباعه هو محبة للمبادئ التي أنزلها الله عزوجل في هذا القرآن الكريم ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصورة الحية المثلى لهذه المبادئ كما قال ربنا عزوجل في كتابه الكريم : ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، أي كانت ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم سراجاً ينير ، ينير بماذا ؟! ينير بالشمائل العظمى والمبادئ المثلى التي أنزلها ربنا عز وجل في كتابه ، ومن هنا تظهر لنا عظمة هذه الذات المحمدية عليها أفضل الصلاة والسلام ، ذات كلها نور ، نور المبادئ الربانية ونور الأخلاق العظمى الإنسانية التي أرادها ربنا تبارك وتعالى ، إنه نور ولذلك كان منيراً أنار هذا الوجود صلى الله عليه وسلم أناره بأخلاقه وشمائله وكمالاته التي مثلت للخلق مبادئ القرآن التي أنزلها ربنا عزوجل ، لم يكن هذا شيئاً طارئاً ولا شيئاً ناله النبي صلى الله عليه وسلم بترق ومواظبة وإنما هو فطرة فطره الله عليها فكانت ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم هي المثل الإنساني الأعظم الذي تتجلى به كمالات القرآن الكريم ، ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً لقد كان سراجاً منيراً يضيء بالكمالات فوق مايخطر في بال الكمّل وفوق مايخطر في بال الشخصيات لقد كان نوراً باهراً بهر أحبابه وأصحابه كما بهر أعداءه وخصومه صلى الله عليه وسلم فكان الفريقان يعجبون منه أشد العجب من هذه الكمالات التي لايتوقعها أحد من بشر بل كان يلومه بعض أصحابه صلى الله عليه وسلم لظنهم أن هذا زيادة تبلغ إجهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم يكلفه ربه وهو صلى الله عليه وسلم ماكان يفعل ذلك إلا بطبيعته وسجيته التي فطره الله عليها

لعلنا جميعاً نذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه قوم من الأعراب فسألوه فأعطاهم ثم جاءه قوم آخرون ولم يبق عنده شيء فقال صلى الله عليه وسلم : استدن لهم علي يابلال ، فقام سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه وهو الرجل الشهم العظيم المعروف بعظمته _ قام وهو يظن أن هذا تجاوز لحدود الجود فقال يارسول الله : ماكلفك الله أن تستدين حتى تعطي الناس ؟! فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم تكلم سيدنا بلال رضي الله تعالى عنه فقال يارسول الله أنفق ماشئت فإن الله وعدك خيراً فقال صلى الله عليه وسلم : أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا
إنه يرى صلى الله عليه وسلم أن هذا الإنفاق الذي تمد به يده إلى الخلق له مدد من الخالق تبارك وتعالى ، ومن اعتمد على إمداد الخالق يعلم علم اليقين أن إمداد الخالق لاينفد ماعندكم ينفد وما عند الله باق ، وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن عظمة خزائن الله عزوجل فيقول عليه الصلاة والسلام : أرأيتم ما أنفق ربنا من خزائنه من حين خلق هذه الدنيا ؟ قالوا : نعم قال : فإن ذلك لم ينقص من خزائنه إلا مقدار ماينقص المخيط إذا أدخل البحر ، فالاعتماد ليس على ماعنده والاعتماد ليس على مابيده وإنما اعتماده صلى الله عليه وسلم على خزائن الله تبارك وتعالى ، ولأجل ذلك بهر الخلائق بجوده صلى الله عليه وسلم
انظر إلى بعض الكافرين الذين وقعوا تحت قبضة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم فتح مكة فجاؤوا يسألونه أن يمهلهم فقال رجل منهم : يامحمد أمهلني شهرين قال : بل أربعة أشهر ، وحضر الرجل مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو صفوان بن أمية ، وصفوان كان من كبار الأغنياء وأبوه قبله كان من كبار الأغنياء ، حضر مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة حنين هذه الغزوة كثرت فيها الغنائم ، ورآه النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى واد من الغنائم مملوء أغناماً فقال : أيعجبك هذا ؟ قال : إي والله قال : خذه فهو لك قال : أشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله والله ماجادت بهذا إلا نفس نبي ، عطاء وجود يبهر الخصوم كما بهر الأحباب والأصحاب لإنه صلى الله عليه وسلم هو الصورة المثلى للمبادئ القرآنية من جود وغيره الصورة التي يتبدى بها كتاب الله تبارك وتعالى حياً يراه الناس عملاً أمامهم يتصرف فيه صلى الله عليه وسلم بكمالاته وشمائله العظيمة
وما يقال في جوده عليه الصلاة والسلام يقال في كل صفة من صفاته ، إن نظرت إلى عفوه إن نظرت إلى سعة حلمه إن نظرت إلى شجاعته ستجد أمامك الصورة المثلى التي تتجلى بأنوار القرآن الذي وصفه بقول ربه تبارك وتعالى : إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، إذا شئت حلمه صلى الله عليه وسلم فستجد حلماً يتعجب منه الأعداء والخصوم في أحرج الساعات ، هذا أبو سفيان بن حرب الذي نصب نفسه لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم سنين طويلة يقع أسيراً بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتوقع أحد من الناس إلا أن يأمر من يطيح برأسه فلما جيء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له عليه الصلاة والسلام : أبا سفيان أما آن لك أن تعلم أنه لاإله إلا الله ؟! فيقول بصيغة التعجب : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وما أوصلك وما أرحمك !! لقد ظننت أنه لو كان مع الله آلهة أخرى لنصرتني عليك ، يعني أيقن أن هذه الآلهة التي كان يعبدها في الجاهلية إنما هي آلهة بالباطل لا بالحق ثم قال له صلى الله عليه وسلم :أبا سفيان أما آن لك أن تعلم أني رسول الله ؟! أخذه هذا الحلم وأطمعه رغم تعجبه ، قال : بأبي أنت وأمي ماأحلمك وأوصلك وأرحمك ! أما هذه ففي النفس منها شيء ، جعله هذا الكرم وهذا الجود وهذا الإحسان بالأخلاق يتجرأ فيبوح بما في نفسه حتى من الوساوس وهو يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مافي الوجود أحد أحق منه بأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له العباس رضي الله تعالى عنه : أسلم قبل أن يسقط رأسك عن كاهلك

لماذا ؟
في وسط هذا الحلم في وسط هذا الإكرام يتوقع أن يسقط رأسه عن كاهله ؟!
نعم لإنه أدرك الحقيقة كماهي وشغلته الوساوس عن أن يعترف بهذا الحق الذي يراه بعينيه في تلك اللحظة ، لقد كان يتعجب ، وما ينبغي لامرئ أن يتعجب من شيء يعلمه فأبو سفيان قريب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبه في النسب وقريبه في الدار وقريبه في الأشياء في الأشياء التي يشتركان فيها وهي كثيرة ، يعرفه تمام المعرفة ، فكان من حقه ألا يتعجب ، ولكنه رأى من كلام رسول الله ومن مواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ماليس يعلمه من قبل خلق عظيم يتجدد ويترقى ويزداد مع الأيام فلا تزيده الأيام إلا ظهوراً ولا تزيده الأيام إلا عظمة ولا تزيده الأيام إلا إعجازاً يثبت للخلائق أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعلك تستغرب أكثر ممن لايتوقع منه العجب من جبريل عليه الصلاة والسلام ، لقد جاء مع ملك الجبال يوم الطائف يوم آذى أهل الطائف النبي صلى الله عليه وسلم إيذاء منكراً لا يفعله عربي مؤمناً كان أو كافراً لإن العربي لايؤذي من جاءه منفرداً ليس معه أحد يقاتله أو يضاربه جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإيمان فقال أحدهم : أنا أمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك وقال الآخر : أما وجد الله أحداً يرسله غيرك ؟! وقال الآخر : أما أنا فلا أكلمك ، إن كنت نبياً فأنت أعظم من أن تكلمني وإن كنت غير ذلك فأنا أعظم من أن أكلمك ، قال : فإن أبيتم أن تقبلوا مني ماعرضت عليكم فلا تخبروا قومي لئلا يؤذوني يظنون أني جئت أستنصر عليهم ، مارضوا بهذه حتى أرسلوا رسولاً خاصاً إلى قريش يخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يستنصرهم عليهم ولم يكتفوا بهذا حتى سلطوا عليه سفهاءهم ومجانينهم يرمونه بالحجارة ويشتمونه وخرج على هذه الصورة من بلدهم حتى إذا تركوه ورجعوا إلى بيوتهم جلس صلى الله عليه وسلم في ظل حائط ( أي في ظل بستان محوّط ) جلس هناك يدعو الله تعالى ويشكو إليه ماهو فيه اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ياأرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذين أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تحل علي غضبك أو تنزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ( أي إن كان لك علي عتاب في أمر من الأمور فأنا مستعد لتغييره حتى ترضى عني ) وجاءه سيدنا جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال فقال يامحمد هذا ملك الجبال أمره الله عزوجل أن يطيعك فيهم فإن شئت أن يطبق عليه الأخشبين أي الجبلين فعل فقال : لاياأخي ياجبريل عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله ، هنالك يظهر العجب كل العجب على لسان جبريل عليه السلام فيقول : صدق من سماك الرؤوف الرحيم ، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم

هذه هي النعمة العظمى ينبغي لنا أن نشكر الله عليها وأن نشكره بكل وجه من وجوه الشكر ثناء على الله وثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعاً لكل ماجاء به عليه الصلاة والسلام إذا فعلنا ذلك فنحن نقوم بحق الاحتفال به صلى الله عليه وسلم ، فالاحتفال به إنما المراد منه شكر الله عزوجل على أنه أنعم به ، كيف نقوم ليلة القدر شكراً لله عزوجل على إنزال القرآن ؟! كذلك ينبغي أن نقوم هذه الليلة وأن نفعل فيها كل خير شكراً لله على النعمة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو الصورة الإنسانية الحية المثلى لهذا القر آن الكريم فمن عظم القرآن عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد عظم القرآن ، وبهذا المعنى ينبغي أن نفهم قول الله تبارك وتعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين رحمة للعالمين تظهر به مبادئ القرآن صورة في شخصه الكريم عليه الصلاة والسلام فتنير الوجود وتدعو الناس إلى اتباع هذا الكتاب الأعظم

فالحمد لله تبارك وتعالى على نعمة نزول القرآن والحمد لله على نعمة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين