فتوى العلامة د. علي جمعة

د. علي جمعة مفتي جمهورية مصر السابق

ما حكم تسويد النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وخارجها؟
أجمع المسلمون على ثبوت السيادة للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى علميته في السيادة، قال الشرقاوي : «فلفظ (سيدنا) علم عليه صلى الله عليه وسلم»([1])، وأما ما شذ به البعض للتمسك بظاهر بعض الأحاديث متوهمين تعارضها مع هذا الحكم فلا يعتد به؛

ومن هذه الأحاديث عن أبي نضرة، عن مطرف قال : قال أبي : انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا : أنت سيدنا، فقال : (السيد الله تبارك وتعالى). قلنا : وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طَوْلاً، قال : (قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يسخر بكم الشيطان)([2]) .وعن عبد الله بن الشخير يحدث ،عن أبيه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنت سيد قريش .فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (السيد الله) .قال : أنت أفضلها فيها قولاً وأعظمها فيها طَوْلاً ،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ليقل أحدكم بقوله، ولا يستجره الشيطان)([3]).
فهذه الأحاديث بوبها رواة السنن في باب «كراهة التمادح» كما في أبي داود وغيره، وحملت على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الأمة أن لا تتمادح، كما ورد النهي صريحًا عن التمادح، فعن عن أبي معمر قال : قام رجل يثنى على أمير من الأمراء ،فجعل المقداد يحثي عليه التراب، وقال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثي في وجوه المداحين التراب»([4])، ولا يخفى ما في التمادح في الحضور من المداهنة، والأخلاق الذميمة التي يترفع عنها كل مسلم صادق.

وهذا الفهم الذي فهمه العلماء الكرام قال عنه ابن الأثير في النهاية : «أي هو الذي يحق له السيادة، كأنه كره أن يحمد في وجهه، وأحب التواضع. ومنه الحديث لما قالوا : أنت سيدنا، قال : (قولوا بقولكم) .أي : ادعوني نبيًّا ورسولاً كما سماني الله، ولا تسموني سيدًا كما تسمون رؤساءكم، فإني لست كأحدهم ممن يسودكم في أسباب الدنيا»([5]).


وقال ابن مفلح في معنى السيد : «والسيد يطلق على الرب، والمالك، والشريف، والفاضل، والحكيم، ومتحمل أذى قومه، والزوج، والرئيس، والمقدم»([6]) .ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم ينطبق عليه هذا الاسم بأكثر من معنى من المعاني المذكورة. وقال أبو منصور : «كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يمدح في وجهه وأحب التواضع لله تعالى»([7]).

كما أن الأحاديث تتكلم عن الحقيقة، فليس هناك سيد على الحقيقة إلا الله، وإذا أسند هذا لغيره كان من قبيل المجاز، كقولك : «فلان رحيم» ،فالرحيم على الحقيقة هو الله، وكقول الله تعالى : { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وَكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }([8]) في حين أنه سبحانه وتعالى قال : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا }([9])، بل إن الله سبحانه وتعالى سمى من هو دون النبي صلى الله عليه وسلم سيدًا في القرآن كيحيى عليه السلام حين قال تعالى : { أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِياًّ مِّنَ الصَّالِحِينَ }([10])
ولهذا ترى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه يستعمل لفظ السيد لغير الله مع أصحابه، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عن سعد بن معاذ رضي الله عنه حين قال صلى الله عليه وسلم للأنصار قوم سعد : «قوموا إلى سيدكم»([11]) ،
وكذلك أطلقه على نفسه صلى الله عليه وسلم حيث قال : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر»([12])، وقوله للحسن رضي الله عنه : «إن ابني هذا سيد»([13])، بل ورد أن بعض أصحابه صلى الله عليه وسلم قال له : يا سيدي، فعن سهل بن حنيف قال : مر بنا سيل، فذهبنا نغتسل فيه، فخرجت محمومًا، فنمي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «مروا أبا ثابت يتعوذ» .فقلت : يا سيدي والرقى صالحة؟ قال : «لا رقي إلا من ثلاث: من الحمى، والنّفْسِ، واللدغة»([14])، فدل ذلك كله على أن هذه الأحاديث كانت لإثبات السيادة الحقيقية، وأنها لا تكون إلا لله، أو لكراهة التمادح في الوجه كما ذهب إلى ذلك شراح السنة النبوية المطهرة، وأن إطلاق لفظة «سيدنا» للدلالة عليه صلى الله عليه وسلم أو مقدمة على اسمه الشريف من قبيل الأدب العالي الذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه رضي الله عنهم .
أما عن حكم تسويده صلى الله عليه وسلم في الصلاة، والأذان، وغيره من العبادات، فاختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة، وقد نقل في كتب المذاهب الفقهية المعتمدة ندب الإتيان بلفظ «سيدنا» ، قبل اسم الشريف حتى في العبادات كالصلاة والأذان.
فمن الحنفية الحصكفي صاحب الدر المختار؛ حيث قال : « ندب السيادة؛ لأن زيادة الإخبار بالواقع عين سلوك الأدب فهو أفضل من تركه، ذكره الرملي الشافعي وغيره، وما نقل: لا تسودوني في الصلاة؛ فكذب، وقولهم : لا تسيدوني بالياء؛ لحن أيضًا والصواب بالواو»([15])
كما صرح باستحبابه النفراوي من المالكية، وقالوا: إن ذلك من قبيل الأدب، ورعاية الأدب خير من الامتثال.
يقول الشيخ الحطاب المالكي : «ذكر عن ابن مفلح الحنبلي نحو ذلك، وذكر عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أن الإتيان بها في الصلاة ينبني على الخلاف: هل الأولى امتثال الأمر أو سلوك الأدب ؟ (قلت) والذي يظهر لي، وأفعله في الصلاة وغيرها الإتيان بلفظ السيد والله أعلم»([16]).
ومن الشافعية قال الشافعي الصغير العلامة شمس الدين الرملي : «الأفضل الإتيان بلفظ (السيادة) كما قاله ابن ظهيرة، وصرح به جمع، وبه أفتى الشارح؛ لأن فيه الإتيان بما أمرنا به وزيادة الإخبار بالواقع الذي هو أدب، فهو أفضل من تركه، وإن تردد في أفضليته الإسنوي، وأما حديث : (لا تسيدوني في الصلاة) ؛فباطل، لا أصل له ،كما قاله بعض متأخري الحفاظ»([17]).
وقال في حاشيته على أسنى المطالب : «وبه أفتى الجلال المحلي جازما به، قال : لأن فيه الإتيان بما أمرنا به وزيادة الإخبار بالواقع، الذي هو أدب فهو أفضل من تركه، وإن تردد في أفضليته الإسنوي. ا هـ.» ([18])
وقال الشوكاني : «وقد روي عن ابن عبد السلام أنه جعله من باب سلوك الأدب، وهو مبني على أن سلوك طريق الأدب أحب من الامتثال، ويؤيده حديث أبي بكر حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يثبت مكانه فلم يمتثل، وقال: (ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم) .وكذلك امتناع علي عن محو اسم النبي صلى الله عليه وسلم من الصحيفة في صلح الحديبية بعد أن أمره بذلك، وقال : (لا أمحو اسمك أبدًا) وكلا الحديثين في الصحيح، فتقريره صلى الله عليه وسلم لهما على الامتناع من امتثال الأمر تأدبًا ؛مشعر بأولويته»([19]).

ومما سبق نعلم أنه ذهب إلى استحباب تقديم لفظة «سيدنا» قبل اسمه الشريف في الصلاة، والأذان، وغيرهما من العبادات كثير من فقهاء المذاهب الفقهية : كالعز بن عبد السلام، والرملي، والقليوبي، والشرقاوي من الشافعية، والحصكفي، وابن عابدين، من الحنفية وغيرهم كالشوكاني.
أما تقديم «سيدنا» على اسمه الشريف في غير العبادات، فلا خلاف على جوازه بين أحد من العلماء، فهو إجماع، ولا عبرة لمن شذ ممن عجز عن الجمع بين الأدلة، وهو ما نختاره ونرجحه في مقام سيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فالأدب مقدم دائمًا معه صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلى وأعلم.

([1]) الموسوعة الفقهية الكويتية، ج11 ص 346 ، حرف التاء، تسويد.

([2]) رواه أبو داود في سننه، ج4 ص254، والنسائي في الكبرى، ج6 ص70.

([3]) رواه أحمد في مسنده، ج4 ص24، والنسائي في الكبرى، ج6 ص70، والحاكم في المستدرك، ج3 ص 213.

([4]) أخرجه مسلم في صحيحه، ج4 ص2297.

([5]) النهاية ،لابن الأثير ،ج2 ص417.

([6]) الآداب الشرعية والمنح المرعية، لابن مفلح، ج3 ص456 طبعة عالم الكتاب.

([7]) الموسوعة الفقهية الكويتية ،ج11 ص347.

([8]) السجدة : 11.

([9]) الزمر : 42.

([10]) آل عمران : 39.

([11]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج2 ص900، ومسلم في صحيحه، ج3 ص 1388 .

([12]) أخرجه مسلم في صحيحه، ج4 ص1782.

([13]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج2 ص962.

([14]) رواه أبو داود في سننه، ج4 ص11، والنسائي في الكبرى، ج6 ص71، والحاكم في المستدرك، ج4 ص458.

([15]) الدر المختار، للحصكفي، ج1 ص513.

([16]) مواهب الجليل شرح مختصر الخليل، لمحمد بن عبد الرحمن الحطاب، ج1 ص21.

([17]) نهاية المحتاج، للرملي، ج2 س 86.

([18]) حاشية الرملي على أسنى المطالب، ج1 ص 166.

([19]) نيل الأوطار، للشوكاني، ج2 ص 337، 338.