ازالة الالتباس حول شفاعة سيد الناس

أنت الحبيب الذي ترجى شفاعته

من تلبيس المتنطعة على المسلمين ، وهو ما ينبغي ألا يأبه له العالم المحقق ، قوله إنه لا يجوز أن تطلب الشفاعة من غير الله من نبي أو صالح ، بل طلب ذلك منه شرك ، وذلك لقوله تعالى : ﴿ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ﴾{الزمر:44} ،

 وكأنهم لم يسمعوا قوله عز وجل : ﴿ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾{التغابن:1} ووصفه نفسه أنه مالك الملك مع قوله سبحانه : ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء ﴾{آل عمران:26} ،

وكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى : ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾{فاطر:10} مع قوله عز وجل : ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾{المنافقون:8} ،

وكذلك في الشفاعة قال : ﴿ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ﴾{الزمر:44} مع قوله تعالى : ﴿ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾{مريم:87} ،

وقوله عز وجل : ﴿ وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾{الزخرف:86} فكما أنه سبحانه أعطى من الملك من شاء ما شاء ، وجعل من العزة التي هي له ما شاء لرسوله وللمؤمنين ، كذلك الشفاعة كلها له ، وقد أعطاها للأنبياء ، وعباده الصالحين ، بل وكثير من عامة المؤمنين ، كما نقلت به صحاح الأحاديث المتواترة ﴿ تواترا معنويا ﴾ وأي حرج في أن يطلب الإنسان من المالك بعض ما يملكه لا سيما إذا كان المسئول كريما ، والسائل في أشد الحاجة إلى ما سأله .

 

ما هي الشفاعة ؟

وهل الشفاعة إلا الدعاء ؟ والدعاء مأذون فيه مقدور مقبول من المؤمنين ، لا سيما الأنبياء والصالحون في الحياة وبعد الوفاة في القبر ويوم القيامة ، فالشفاعة معطاة من الله تعالى لمن اتخذ عنده عهدا ، ولمن شهد بالحق ومقبولة لديه عز وجل في كل من مات على التوحيد ،

وهل هؤلاء المفتنون أعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث لم ينبه على ذلك ؟! بل أجاب على الشفاعة من سأله إياها ، ولم يقل إن طلبك الشفاعة مني شرك ، فاطلبها من الله ولا تشرك بربك أحدا .

هذا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : يا نبي الله اشفع لي يوم القيامة ، فيقول له عليه الصلاة والسلام : ﴿ أنا فاعل إن شاء الله ﴾ الحديث ، وهو في سنن الترمذي وحسنه ، وكذلك سألها غير أنس ، كما هو في السنة .

 

أهل الشفاعة :

نعم لم يعط الله الشفاعة لما عُبدَ من دونه ولا لمن عُبدَ إذا كان راضياً بعبادة عابديه ، أما من عُبدَ بغير رضاه كالمسيح والملائكة فإن له الشفاعة في غير من عَبدَه ، أن عُبّاد الأوثان وغيرها ، يعتقدون في معبوداتهم أنهم أرباب لهم ، وأن لهم الشفاعة فيهم عند الله لا محالة ، بمقتضى شركتهم له تعالى في الربوبية ، في زعمهم وأنها مقبولة لديه سبحانه حتما ، فبين الله لهم أن اعتقادهم باطل ، فإنه لا شفاعة إلا بإذنه ومشيئته ورضاه ، وبين سبحانه للمؤمنين أنه قد أعطى الشفاعة للأنبياء وصالحي المؤمنين ، فيمن لقي ربه لا يشرك به شيئا ، فالقصر في قوله تعالى : ﴿ لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ﴾{الزمر:44} إضافي ، المقصود به نفي شفاعة الأوثان في عابديها ، ونفي شفاعة سائر المعبودين في عبادهم ، وأين هذا مما عليه المسلمون من طلب الشفاعة ممن ملكهم الله الشفاعة ، وأذن لهم فيها لا يعتقدون في الشفعاء إلا أنهم عباد مكرمون ، لا أرباب بغير إذن الله يشفعون . ؟!

 

استشفاع الصحابة بالنبي حيا :

وأخرج البيهقي في دلائل النبوة وغيره من عدة طرق ، قصة إسلام سواد بن قارب رضي الله عنه وفيها أنه أنشد بين النبي صلى الله عليه وسلم قوله :

~ أشهد ن الله لا رب غيره وأنك مأمون على كل غائب

~ وأنك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله يابن الأكرمين الأطايب

إلى أن قال :

فكن لي شفيعا يوم ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب

وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه طلب الشفاعة منه ، ولو كان ذلك مكروها ما أقره ؟ فكيف إذا كان شركا ؟! وقد قدمنا مرارا أن الشفاعة هي من الدعاء ، ولذلك عرّفها العلماء : بأنها طلب الخير للغير عند الهول ، فإذا قال القائل للنبي أو الولي : اشفع لي أو أسألك الشفاعة ، فمعناه ادع لي ، أو أسألك الدعاء لي ، ولم يقل أحد من أهل العلم بأن ذلك مكروه ، فضلا عن أن يكون شركا ، بل هو بالإجماع ممن هو في الحياة الدنيا ، أو في الحياة الأخرى ، وفهم ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعملوا به .

 

استشفاعهم بالنبي في قبره :

وهذا أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث المزني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحامل لواء مُزَينة في جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ، لما أصاب الناس قحط في عهد عمر جاء بلال هذا فوقف عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداه قائلا : يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فهذا طلب الشفاعة والدعاء منه عليه الصلاة والسلاة بعد وفاته ، والعهد عهد الصحابة ، والمسجد ممتلئ بالأكابر منهم ، فلم ينكر عليه أحد ، ولا عدّه خلاف الأولى ، ولم يقل منهم قائل إن هذا من القبوريين المشركين عباد القبور وأهل القبور ﴿ كما يقول أهل الزور ﴾ وقد أخرج هذا الأثر ابن أبي شيبة بسند صحيح ، والبيهقي في دلائل النبوة بسند صحيح أيضا .

 

استشفاعهم بقبر النبي :

بل وقع منهم رضي الله عنهم ما هو أبلغ من ذلك في التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمع :

أخرج الدارمي في سننه في باب ما أكرم الله نبيه به بعد موته ، عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله التابعي الجليل ، قال : قحط أهل المدينة قحطا شديد ، فشكوا إلى عائشة ، فقالت : انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كوىً إلى السماء ، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، قال : ففعلوا ، فمطرنا مطرا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق ، وقولها اجعلوا منه كوى ﴿ أي ما يحاذيه من سقف الحجرة الشريفة ﴾ والكوى جمع كوة كقوة والمراد بها النوافذ الصغيرة ، وقَحَطَ قَحطَ من باب خضع وطرب مبنيا للفاعل وقد يبنى للمفعول وهو قليل فهل يقول أؤلئك المبتدعة في أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ، التي هي من أعلم أصحابه صلى الله عليه وسلم وفيمن شهد هذه الواقعة ، هم توسلوا بما له تعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم وحقق الله رجاءهم ، وقبل استشفاعهم وأي ملام على المسلمين في أن يأخذوا بالأسباب التي جعلها الله مفاتيح لخيره وأبوابا لرحمته مع حزمهم بأن ذلك من سنن الله التي وضعها لعباده ، على ما تقتضيه حكمته ؟

 

التوسل سبب طبيعي :

وإن من السنن الإلهية التي وضعها الله لقضاء حوائج عباده التوسل به صلى الله عليه وسلم والشكوى إليه ، والاستغاثة به وكذلك بصالحي أتباعه ، في الحياة وبعد الوفاة ، شهدت بذلك صحاح الأحاديث والآثار ، وتجارب المقربين الأخيار ، بل وعامة المؤمنين السالمين من البدع والإنكار ، وكم من أزمة استحكمت خلقا بها ، وأمراض استعصى على أطباء الأبدان علاجها ، وقلوب مرضت بأمراض فتن الشبهات أو الشهوات طال زمانها حتى إذا فزع فيها المؤمنين إلى الله متوسلين مستغيثين بسيد المرسلين ، والأكابر من الصالحين ، أسرع الفرج ونزل الشفاء وزال العسر وجاء اليسر ، وفي كتب العلماء الصحيحة والحكايات المروية بالأسانيد الثابتة ، بل في الأحاديث الصحاح ، والآثار التي لا مطعن فيها ما يثبت للباحث المنصف صدق ما قلنا .

 

قصة حرملة التائب :

واستمع إلى ما روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عمر البيروني ، والحاكم أبو أحمد ، كما ذكره ابن كثير في تفسيره عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رجلا يقال له حرملة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الإيمان ههنا وأشار بيده إلى لسانه والنفاق ههنا وأشار إلى قلبه ، ولم يذكر الله إلا قليلا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ اللهم اجعل لسانا ذاكرا ، وقلبا شاكرا ، وارزقه حبي وحبَّ من يحبني ، وصير أمره إلى خير ، فقال الرجل يا رسول الله إنه كان لي أصحاب من المنافقين ، وكنت رأسا فيهم ، أفلا آتيك بهم ؟ قال : ﴿ من أتانا استغفرنا له ، ومن أصر فالله أولى به ، ولا تخرقن على أحد سترا ﴾

وفي قوله تعالى ﴿ َلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﴾{النساء:64} حيث لم يقتصر على استغفارهم بل قيده باستغفاره عليه الصلاة والسلام لهم ، أبين البيان عند أولي الأفهام ، إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم من القدر عند ربه ما جعل خير العباد موقوفا على توجههم إليه ، واعتنائه صلى الله عليه وسلم بشأنهم .

وفي هذا القدر الكفاية لمن سبقت له العناية بالهداية .

عن مجلة المسلم عدد جمادى الأولى سنة 1372هـ بتصرف .