تأخر التوبة و الحاجة إلى الشفاعة

و لسوف يعطيك ربك فترضى

اعلم أنه قد يؤخر الله عنك التوبة مع صدقك في طلبها، لجلهلك مقام نبيه صلى الله عليه وسلم وتقصيرك في التعلق به وعدم استشعار حاجتك إليه في الدنيا والآخرة، فيعظم كربك بتأخير التوبة، ويشتد خطبك، وتستشعر البلاء، وتوقن بالعطب، فتعلم بعد ذلك مدى حاجتك إليه صلى الله عليه وسلم، فتكون أشد حاجة إلى شفاعته من حاجتك إلى الماء البارد على الظمأ في حر الرمضاء وقد أيقنت الهلاك والخيبة والخسران

كما كان تعلق الصحابة به وبمحبته صلى الله عليه وسلم، فتعلم حينها شيئاً من مقام نبيك الشافع المشفع صلى الله عليه وسلم، وتتحقق باضطرارك إلى رحمة الله العظمى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين))، فيكون تحققك بهذا الاضطرار سبباً لقبول توبتك ((أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء))..

فإنه إن لم تنلك شفاعته لقبول التوبة في الدنيا فلا توبة لك، فأعمالك تعرض عليه صلى الله عليه وسلم كل يوم، يقول عليه الصلاة والسلام: (حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فإن وجدت خيراً حمدت الله، وإن وجدت غير ذلك استغفرت لكم) فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله لك المغفرة والتوبة هو سبب قبول التوبة، فاستغفاره صلى الله عليه وسلم في الدنيا شفاعة لنا.

وتأمل قوله تعالى:
((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً )) [النساء، 64]

والتوبة رحمة، ولا تنزل رحمة من الله إليك إلا بواسطته صلى الله عليه وسلم،
رضي الله عن السيد البكري حين قال:
ما أنزل الرحمن أو ينزل
من رحمة تصعد أو تنزل
في ملكوت الله أو ملكه
من كل ما يختص أو يشمل
إلا وطه المصطفى عبده
نبيه مختاره المرسل
واسطة فيها وأصل لها
يعلم ذاك كل من يعقل

فالمغرور من يعتقد طرفة عين أنه ليس بحاجة للنبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا أو الآخرة، ومن اعتقد ذلك وقع في الكبائر الحسية والمعنوية.
وكلما كانت الذنوب والكبائر أعظم كلما كانت الشفاعة أعظم ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (شفاعتي - أي العظمى أو أعظم ما تكون- لأهل الكبائر –أهل الذنوب العظيمة- من أمتي) لا بمعنى أن سوى أهل الكبائر لا تنالهم الشفاعة أو ليسوا بحاجة إليها، إذ لا تختص الشفاعة بنوع دون آخر كما هو ثابت في أحاديث الشفاعة، بل يعم أثرها جميع أهل الموقف كل بحسب حاله وحسب ذنوبه.
يقول الإمام البوصيري رضي الله عنه:

لعل رحمة ربي حين يقسمها
تأتي على حسب العصيان في القسم

ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القاسم وهو أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم.
فقوله صلى الله عليه وسلم: (( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي )) أي هي أعظم ما تكون لمن يتحقق بحاجته واضطراره لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ولمن يعتقد في نفسه أنه من أهل الكبائر، فإن لم يكن من أهلها حقيقة نال شفاعة الترقي في درجات الجنان على قدر تعلقه وعلمه بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإلا فالكبائر والصغائر من حيث المخالفة سواء، ولا صغير مع الإصرار ولا كبير مع الاستغفار.
يقول الإمام البوصيري رضي الله عنه:

يا نفس لا تقنطي من ذلة عظمت
إن الكبائر في الغفران كاللمم

وكذلك الشفاعة لا يستعظمها ذنب، بل كبائر الذنوب تذوب بنور شفاعة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم.

وما أجمل قول من قال:
بين غفار وشافع
قد ذوت مني ذنوبي

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم