من الدفع عن عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

الطعن في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ضلال وبدعة وعقوق وسوء أدب ، يأخذ الله القائلين به أخذاً شديداً . فإن الأنبياء صفوة الله من خلقه ((( الله ُأَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ )))[الأنعام:6/124] ، فالعصمة أمر محقق لا شبهة فيه ولا التفات إلى مخرقة المخرقين وهذيانهم فقد حكمهم الجهل والهوى متزاوجين .

 

وتعلقهم ببعض الآيات لا يشفع لهم في تخفيف الحكم عليهم بالبدعة والضلال ، من حيث إنهم لا متمسك لهم ، يأخذ بألبابهم إلى الصواب في الجواب .

الآيات التي وردت في القرآن الكريم وفيها عتاب للنَّبي ، لم يكن ورودها لصدور ذنب موبق كالذي يقترفه الفاسقون الآثمون ، كلا ، بل فيها عتاب لما فعله عليه وآله الصلاة والسلام مجتهداً فيه قبل أن ينزل عليه وحي في شأنه .

وقد علم الله سبحانه وهو ذو العصمة المطلقة ، أن الصواب كل الصواب في غير ما ذهب إليه حبيبه المصطفى عليه وآله الصلاة والسلام فكان منه سبحانه إرشاد وكان توجيه ، وقد يشتد القول فيه كالآيات الكريمات من سورة عبس الشريفة . ولله درَ من قال :


العبد عبد وإن تعالى
والمولى مولىً وإن تنزلْ

ولله سبحانه أن يؤدب عبده الأثير بما يحب ويشاء . وقد علم الله سبحانه من أولئك الذين توجه إليهم الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالبيان أنهم مستكبرون ، وإن ألان له بعض منهم في ذلك المجلس حتى طمع في إسلامهم رجاء أن يسلم العرب تبعاً لهم ، وتولى عن ابن مكتوم المستفهم المستعلم الصادق الإيمان والقوي الإيقان . فالأمر إذن منه صلى الله عليه وآله وسلم أمر موازنة وترجيح والله أعلم وأحكم وهو العليم الحكيم .

وعلى ضوء هذا الأصل يسعك أن تفهم قوله تعالى ((( لِيَغْفِرَ لَكَ الله ُما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبكَ وَما تَأَخَّرَ )))[الفتح:48/2] ، فهو ذنب بالنسبة إلى علو مقامه عليه وآله الصلاة والسلام على حدِّ ما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فإن المقربين أرقى من الأبرار . اقرأ قوله تعالى في الأبرار : ((( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحيقٍ مَخْتومٍ . خِتامُهُ مِسْكٌ ، وَفي ذلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنافِسونَ . وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنيمٍ . عَيْناً يَشْرْبُ بِها الْمُقَرَّبونَ )))[المطفِّفين:83/25-24] ، أي منها فما يمزج به الرحيق المختوم ، يشربه المقربون صرفاً . وعلى ضوئه أيضاً تفهم قوله تعالى : ((( عَفا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذينَ صَدَقوا وَتَعْلَمَ الكاذِبينَ )))[التَّوبة:9/43] ، عتاباً لطيفاً مصدَّراً بالعفو الكريم حين أذن لبعض المنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك.

والعتاب في الفداء لا يخرج أيضاً عن هذا السَّنَن ، وإن كان القول فيه شديداً للحكمة الكامنة فيه . ولم يكن عليه الصلاة والسلام منهيّاً عن فِداء الأسرى قبل فدائهم يوم بدر ولو كان نَهْيٌ لما كانت مشاورة منه للأصحاب ولما اختلفوا فيه . وقد علم الله أن كثيراً من الأسرى سيسلمون وسيهتدون ، فأخَّر العتاب حتى تمَّ الفداء ، وعندئذٍ نزلت آياته .

فالمسألة اجتهادية محضة كما ترى . ولكن الله سبحانه حضرته حضرة إطلاق حكيمة ، فله أن يربي خاصة عباده بما يشاء إنه عليم حكيم .

وصلاته على ابن أُبَيٍّ المنافق نوع اجتهاد أيضاً ، إذ لم يُنه عن الصلاة على المنافقين من قبل . ومعارضة عمر رضي الله تعالى عنه كانت منه بناءً على ما فهمه من قول الله تعالى : ((( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله ُلَهُمْ )))[التَّوبة:9/80] ، قياساً منه الصلاة على الاستغفار ، لكن النّبي عليه الصلاة والسلام قال له : أخِّر عني يا عمر . فلما أكثر عليه قال : إني خُيِّرْتُ فاخترتُ ، ولو أعلم أني إن زدتُ على السبعين يُغفرْ له لزدتُ عليها .

والنَّبي عليه الصلاة والسلام يعلم أن ابن أُبَيّ لا يستفيد من تلك الصلاة عليه شيئاً ولكن فعلها تطييباً لقلب ولده عببد المؤمن الصادق . وقد عمد ذلك المنافق إلى الخداع في مرض موته ، فطلب قميص النّبي ليكفن فيه ، وكان يخاطبه بيا نبيَّ الله ، وعليه عليه الصلاة والسلام مأمور بأن يقبل من الناس ظواهرهم . وقد أسلم لحسن هذه المعاملة ألف من الخزرج بعد أن كانوا كافرين منافقين . وبعد التمام أنزل الله قوله الكريم : ((( ولا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ، إِنَّهُمْ كَفَروا بالله ِوَرَسولِهِ وَماتوا وَهُمْ فاسِقونَ )))[التَّوبة:9/84] ، وقال تعالى : ((( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُريدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها في الْحَياةِ الدُّنيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرونَ )))[التَّوبة:9/55] . وأما الزياة في قول عمر : أتصلي عليه وقد نهاك الله فهي في غير الصحيح ز على أنه قاس الصلاة على الاستغفار كما بيَّننّا .