الإسراء والمعراج لابن عباس .. دراسة نقدية

د. فيضي الفيضي

إن ّمن أشد الأمور خطراً على العقل والدين أن تختلط الخرافة بالدين في أذهان كثيرين اختلاطا لا يتميز به أحدهما عن الآخر ، ويغدو هذا المزيج عقيدة لدى العامة يدينون الله بها ، يرجون بركاتها في الدنيا وثوابها في الآخرة ، وينكرون على من يصحح لهم ذلك الخطأ ، أو يحارب تلك الخرافة التي يعدونها عقيدة من أسس الدين ، ويعدون من ينكرها كمن ينكر حقائق القرآن القاطعة وأحاديث النبي(صلى الله عليه وسلم) الصحيحة.

ولطالما عانينا ـ معاشر الدعاة ـ من هذه الإشكالية ، فنحن بين من يعتقد بذلك المزيج إلى الدرجة التي يهاجم كل داعيةٍ ناصح أراد إظهار الحق وبيان الصواب من خلال دحض تلك الخرافة ( الفرية ) ، وبين موجهٍ يشتد في توجيهه حتى ينفر الصيد ، ويجفل الظباء ، فيغدو أسلوبه مانعاً من قبول بيان الداعية الرشيد والموجه الحكيم ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها : بعض ما جاء في كتاب ( الإسراء والمعراج ) لابن عباس رضي الله عنهما ، فقد كثرت الروايات عن الصحابة الكرام في معجزة الإسراء والمعراج كثرة لم تسلم من الضعف والخلل ، ومن الصحابة على وجه الخصوص : علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وحوت كتب التفسير هذه المرويات على أنها من قبيل التفسير بالمأثور في سورة الإسراء وسورة النجم على نحو أقل .

ومن الملفت للنظر أن أنس بن مالك وابن عباس كانا من أكثر من نسب إليهما من مرويات الإسراء والمعراج ، لكن المرويات إلى أنس بن مالك كانت الأكثر ، حتى بدا أنس بن مالك في هذا الشأن أكثرهم له شرحاً وأبسطهم فيه قولاً(1)
وأما ابن عباس فإن غالب الروايات المنسوبة إليه خالية من الإسناد ، وفي هذا يقول الإمام الشافعي ” لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث “(2) .

ويعقب الدكتور الذهبي على ذلك بقوله : ” وهذا العدد الذي ذكره الشافعي لا يكاد يذكر بجوار ما روي عن ابن عباس من التفسير ، وهذا يدل على مبلغ ما دخل في التفسير النقلي من الروايات المكذوبة “(3) .

ولقد قبلت هذه المرويات والتي غدت تطبع وتوزع على أنها كتاب الإسراء والمعراج للصحابي الجليل ابن عم المصطفى عليه الصلاة والسلام ، حبر الأمة عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما وأصبح لها رواج كبير في بلاد المسلمين لا سيما في بلادنا. ولعل أهم الأسباب لهذا الرواج :

1. كونها تبحث عن معجزة الإسراء والمعراج والتي خص الله بها نبينا محمداً (صلى الله عليه وسلم) من دون سائر الأنبياء ، مما جعل لها مكانتها المتميزة في نفوس المسلمين.
2. نسبة هذه المرويات إلى حبر الأمة ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ مما جعل لها قبولاً في أوساط المسلمين .

ومما يقتضي بيانه شرعاً ما في هذه المرويات من الطامات والخرافات التي لا تصح ديناً ، ولا تقبل عقلاً على الرغم من أنها صيغت بصياغة توهم قارءَ ها بأنها من الدين ، فكانوا بين معتقدٍ بتلك الضلالات ومنكرٍ لها ، وبالتالي فإن إنكار من أنكرها إنكارٌ - حسب ظنه ـ لعقائد الدين ، التي غدت بالية حسب اعتقاده لا تواكب العصر وتخالف العلم الحديث ، وكلتا الحالتين خطر على الأمة .

وأحب أن أنقل هنا بإيجاز وتصرف ما حبره يراع الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث ) ، وهو يقص علينا أن ثلة من العوام اجتمعوا في بيت أحدهم بمناسبة الإسراء والمعراج ، وبدأ أحدهم يتلو عليهم هذه المرويات من كتاب (الإسراء والمعراج لابن عباس) واستمع الحاضرون إلى أن السماء الأولى من نحاس ، والثانية من حديد ، والثالثة من ذهب أو قصدير ، وأن القمر معلق في إحدى هذه السماوات ، وأما الشمس ففي السماء الأعلى منها(4)، لم يتمالك ابن صاحب الدار المجتمعين فيه نفسه ، وكان على حظ لا بأس به من الثقافة العامة ، بيد أنه قليل البضاعة من الثقافة الدينية ، فقاطع القارئ قائلاً : كفى تدجيلاً ، فثار عليه الحضور ورموه بالإلحاد وتكذيب ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وسلم) .

لم يجد بداً من الرد عليهم إلا أن يقول : إذا كان هذا ما يقوله الرسول فأنا غير مستعد أن أبيع عقلي في سبيل الإيمان بذلك ، طرد الشاب من داره ، وخرج وقد استقر في عقله أن الدين مجموعة خرافات وأوهام.

يقول الشيخ البوطي : أقبل هذا الشاب نفسه ذات يوم يلاحيني في أمر الدين من أساسه، وراح يخبط ويهذي ويقول : إن دينا يقول بأن القمر أو الشمس في السماء الرابعة ، وأن السماوات من معدن وذهب لا يمكن أن أؤمن به.
فقلت له : ولكن من أين لك المخطط الجغرافي والتحليل الكيميائي لأمر السماوات وأفلاكها؟!
قال : من كتاب المعراج. قلت : أي معراج ؟! قال: معراج ابن عباس . وهنا أدركت سر ما به من إلحاد ، ومصدر ذلك ، فقلت له بهدوء: ولكن هل ترك عبد الله بن عباس وراءه أي مؤلف أو كتاب(5) ؟!

ومما يؤسف له أن بعض أئمة الجمعة أخذوا يعتمدون هذه المرويات مصدراً يصدرون عنها الحديث عن الإسراء والمعراج كلما عادت ذكراه ، بل إني وجدت بعض الكراريس المؤلفة في هذا الموضوع قد اعتمدت كلياً أو جزئيا على تلك المرويات ، ولقد شكا إلي بعض المطلعين من الأئمة والخطباء من مواجهته لصعوبة إقناع المصلين في مسجده بأن كثيراً من مرويات الإسراء والمعراج الواردة في الكتاب المنسوب لابن عباس لا أساس لها من الصحة في الجملة ، فلم يستوعب ذلك عدد كبير منهم لشهرة الكتاب وكثرة طبعاته منذ أكثر من قرابة نصف قرن ، ودور النشر تجني من ورائه الأرباح المادية ؛ ولأن ما ورد فيه من تفاصيل قد طرقت مسامعهم مرارا وتكرارا من كل من سبقه في العمل في المسجد.

ومن المرويات الواردة في هذا الكتاب مما لا أصل له في كتاب ولا سنة ما يأتي :

1. وإذا أنا بملك نصفه من ثلج ونصفه من نار ، فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار ، له ألف رأس ، في كل رأس ألف وجه ، في كل وجه ألف ألف فم ، في كل فم ألف ألف لسان يسبح الله تعالى بألف ألف لغة لا يشبه بعضها بعضا ، من جملة تسبيحه يقول : سبحان من ألف بين الثلج والنار ، يا من ألف بين الثلج والنار ، ألف بين قلوب عبادك المؤمنين ، والملائكة تقول آمين ، فقلت : من هذا يا أخي جبريل ، قال : هذا الملك المكفل بأكتاف السماوات ، وهو أنصح الملائكة لبني آدم.
2. ثم رأيت ملكاً عظيم الخلقة والمنظر ، قد بلغ قدمه تخوم الأرض السابعة ، ورأسه تحت العرش ، وهو جالس على كرسي من نور ، والملائكة بين يديه وعن يمينه وعن شماله ينتظرون أمر الله عز وجل ، وعن يمينه لوح ، وعن شماله شجرة عظيمة ، إلا أنه لم يضحك أبداً ، فقلت : يا أخي يا جبريل من هذا ؟ فقال : هذا هاذم اللذات ومفرق الجماعات ، ومخرب البيوت والدور ، ومعمر القبور ، وميتم الأطفال ومرمل النساء ، ومفجع الأحباب ومغلق الأبواب ، ومسود الأعتاب وخاطف الشباب ، هذا ملك الموت عزرائيل(6) .
3. قال النبي(r): فوضع يده ـ يعني يد الله عز وجل ـ بين كتفي ـ ولم تكن يداً محسوسة كيد المخلوقين ، بل يد قدرة وإرادة ـ فوجدت بردها على كبدي ، فذهب عني كل ما رأيته من العجائب ، وأورثني علم الأولين والآخرين(7) .
وواضح أن الصنعة على هذا الحديث ظاهرة ، ويتجلى هذا في قوله: ( ولم تكن يداً محسوسة…الخ ) فإنّ هذا من موضوعات علم الكلام التي جرى فيها الخوض متأخرا عن عصر الرسالة والصحابة ، والصحيح أن هذا كان رؤيا منام رآها النبي(صلى الله عليه وسلم) وليس ما حدث ليلة الإسراء والمعراج(8) .
4. ومن ذلك ما جاء في هذه المرويات في بيان ما اعقب حادثة الإسراء والمعراج: ….والمسلمون حوله(صلى الله عليه وسلم) وهو بينهم كالقمر وهم حوله كالنجوم ، وأسلم في ذلك اليوم أربعة الآف رجل !!
ومن الواضح أن هذا الكلام مخالف للصحيح الثابت فإنه مما هو معلوم أن عدداً من المسلمين ارتدوا في صبيحة تلك الحادثة ، فقد جاء في الروايات التي أوردها الطبري وابن كثير : ( فافتتن ناس كثير وكانوا قد صلوا معه )(9) ، وفيها : ( فارتدوا كفاراً فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل)(10) ، ولا أدري من أين أتى بهذا الرقم الكبير جداً ( أربعة الآف رجل ).

وأقدم من وجدته قد صرح بالوضع الحافظ السيوطي ، إذ ذكر في كتابه (تدريب الراوي) لدى الكلام عن الحديث الموضوع ما نصه : ” الثالث : من الموضوع أيضاً … والحديث الطويل عن ابن عباس في الإسراء، أورده ابن مردويه في تفسيره، وهو نحو كراسين “(11) .

ولعل من أغرب وأعجب ما يسجل ، أنّ رجلا كالدكتور لويس عوض ـ وهو من هو ـ يدعو إلى اقتناء هذا الكتاب ، واعتماد هذه المرويات(12) !.وفي ختام هذه الكلمات أقترح جملة من التوصيات أجدها في غاية الأهمية لهذا الموضوع لنتجاوز الخلط فيه بين الحقيقة والخرافة ، وبين الدين والأوهام:

1. تأليف كتب معاصرة جامعة لمعجزة الإسراء والمعراج ، تعتمد ما في القرآن الكريم والسنة المطهرة ، مع ملاحظة المعطيات العلمية المعاصرة من خلال عرض مقبول عقلا وشرعاً .
2. تكثيف دراسة مرويات الإسراء والمعراج في محاولات نقدية جادة ، وغربلة ما فيها ( غرابة أو نكارة ) .
3. صياغة هذه الحادثة الكريمة باسلوب أدبي شيق مرصع بآي من الذكر الحكيم وأحاديث النبي(صلى الله عليه وسلم) بألفاظ سهلة الفهم ، حلوة النغم ، لأن الناس يألفون هذا النمط ، تكون بديلا عما اعتاد الناس قراءته في الاحتفالات الدينية وهو غير صحيح .
4. اسناد كتاب الإسراء والمعراج المنسوب إلى ابن عباس إلى أحد طلبة الدراسات العليا في الكليات الإسلامية لتحقيقه تحقيقاً أكاديمياً ، ذاك أن بعض الروايات التي وردت فيه صحيحة ، لكن التمييز بين الصحيح والسقيم عسير على غير ذوي الاختصاص.

الهوامش:

(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير : (4/ 274) .
(2) الاتقان في علوم القرآن للسيوطي:(2/ 189).
(3) التفسير والمفسرون للدكتور الذهبي: (1/ 156).
(4) الإسراء والمعراج لابن عباس:ص4.
(5) تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث للدكتور البوطي : ص111.
(6) المصدر السابق: ص12.
(7) المصدر السابق: ص15.
(8) مسند الإمام أحمد بن حنبل:(2/ 170) .
(9) جامع البيان للطبري: (15/4).
(10) تفسير القرآن العظيم لابن كثير:(4/ 245). وسنن النسائي:( 6/377 ) .
(11) تدريب الراوي للسيوطي : (1/ 342) .
(12) فقه السيرة للدكتور البوطي: ص112