النور الجلي من معاني تفرد المقام المحمدي

 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد النور الذاتي والسر الساري في جميع الأسماء والصفات وعلى آله وصحبه.

وبعد، فهذه بعض المعاني من باب التفسير الإشاري في القرآن، مما فتح المولى سبحانه وتعالى به على الفقير فضلاً منه ومنة، وما قرأتها في كتاب، ونحن في شهر مولده الأنور عليه الصلاة والسلام.

يقول المولى سبحانه وتعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً * قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين)[الجمعة، 11] .

قوله سبحانه (وتركوك) جاء بضمير الغيبة (هم)، فلا تعيين في الآية، فتشمل هذه الآية كل الخلق سوى سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتركوك قائماً أي فيما عند الله تعالى بالعبودية له والخلافة عنه، فهو صلى الله عليه وسلم قائم بالله فيما عنده، والله سبحانه المعطي وهو القاسم صلى الله عليه وسلم كما قال عليه الصلاة والسلام، وهو ممد خلق الله بما عند الله، والعبودية الذاتية هي مقامه صلى الله عليه وسلم الذي تفرد فيه عن الخلق كلهم، ولما كان صلى الله عليه وسلم العبد أصالة، خلق نوراً عبداً كاملاً صلى الله عليه وسلم، لم يزل واقفاً في مقام عبوديته لخالقه، ساجداً لحضرة ربه وولد صلى الله عليه وسلم ساجداً وما رفع رأسه للسيادة قط، صار سيد ولد آدم ونائباً عن الحضرة الربانية وخليفة الأسرار الذاتية ومعدن الصفات الأزلية.

ولما لم تكمل العبودية إلا في النبي صلى الله عليه وسلم، كان الأنبياء فمن دونه صلى الله عليه وسلم تبع له، قال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) ولذا صلى بهم إماماً، فكل من سوى النبي صلى الله عليه وسلم من أنبياء وعارفين وأولياء لابد أن يصلوا في معارج عبوديتهم إلى مقام تنتهي إليه حدود عبوديتهم ولا يتجاوزونه، فيتركون النبي صلى الله عليه وسلم قائماً وحده، (وتركوك قائماً).

وواقفون لديه عند حدهم
من نقطة العلم أو من شكلة الحكم
خفضت كل مقام بالإضافة إذ
نوديت بالرفع مثل المفرد العلم

والمقام المحمدي مقام النور الأزلي، وهو مازال صلى الله عليه وسلم فيه منفرداً وممداً للخلق به، وهو النور صلى الله عليه وسلم: (لقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)، ولذا سن لنا صلى الله عليه وسلم إذا ذهبنا إلى المسجد وهو حضرة العبودية أن نقول: (اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً ومن فوقي نوراً ومن تحتي نوراً وعن يميني نوراً وعن شمالي نوراً اللهم اجعل لي نوراً).

وكل من وصل إلى ساحة العبودية مهما كانت رتبته فيها لم يجد فيها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً، والعبد من أمته صلى الله عليه وسلم لا يخرج في عبوديته عن أن يكون متقلباً في أنوار شريعته صلى الله عليه وسلم أو متقلباً في أنوار شريعته وحقيقته، أو متقلباً في أنوار شريعته وحقيقته وإرثه صلى الله عليه وسلم.
وكلهم من رسول الله ملتمس
غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

قال سبحانه: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها) فالتجارة جاءت نكرة، فهي عامة تشمل كل تجارة، وهي بالإشارة العمل للآخرة للنجاة من النار والفوز بالجنة، فالعبودية المعللة بعلة النجاة من النار ودخول الجنة رتبة ناقصة عن رتبة العبودية الخالصة لوجه الله تعالى، قال تعالى: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم *) فقال سبحانه: (تجارة تنجيكم من عذاب أليم) ولم يقل: تجارة تدخلكم الجنة، لأن التجارة مبنية على المعاوضة، والجنة لا يدخلها أحد بعمله كما قال صلى الله عليه وسلم، بل بفضل الله سبحانه، وهو شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع نوره، وبمقدار متابعته صلى الله عليه وسلم يكون التفاضل في الدرجات في الجنة، (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) قال أهل التفسير فضل الله كتابه ورحمته النبي صلى الله عليه وسلم، فما الجنة إلا من نور النبي صلى الله عليه وسلم وإرثه، فمن ورث منه العبودية في الدنيا ورث نعيم الجنة في الآخرة بحسب درجة عبوديته، ولذلك يقول أهل الجنة إذا دخلوها: (الحمد لله الذي أورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء) الأرض أرض العبودية، وهو القاسم صلى الله عليه وسلم والله المعطي، والتفاضل في الدرجات بحسب القرب منه صلى الله عليه وسلم (إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً) لأنهم ورثوا منه ومن خلقه (وإنك لعلى خلق عظيم) فكانت رتبتهم في الجنة على قدر إرثهم منه صلى الله عليه وسلم.

فالعمل إن كان باعثه طلب الآخرة فهو تجارة، والعبودية الخالصة من الحظوظ والمنزهة عن العلل هي ما عليه القوم رضي الله عنهم، فيعبدون الله تعالى لا خوفاً من نار ولا طمعاً في جنة، وإنما يعبدونه لذاته سبحانه، لأنه إله مستحق لأن يعبد لذاته بلا علة، وفي قوله تعالى: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) ذكر عن الشبلي أنه لما سمع هذه الآية صرخ وقال: أين مريد الله؟!. فلا غاية للعبودية ولا علة.

والأنبياء وإن كانوا في أعلى مراتب العبودية فهم دون عبودية النبي صلى الله عليه وسلم، فلابد أن يقولوا يوم القيامة نفسي نفسي، لأن يوم القيامة يوم ظهور المقام المحمدي بالمقام المحمود الذي لا ينبغي إلا لعبد واحد، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: أمتي أمتي، فهو صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع يوم يغضب الله تعالى غضباً لم يغضبه من قبل، فيقول صلى الله عليه وسلم: أنا لها، لأن أعظم تجليات جلال الألوهية لا يقوم لها إلا صاحب أعظم مقامات العبودية، وكل نبي يحيل إلى غيره إلى أن يصل الخلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليظهر الله تعالى تفرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخصوصيته للخلق أجمعين: (سل تعط واشفع تشفع).

قال تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها) والإشارة باللهو إلى الدنيا (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو)، أي إذا رأوا حظأ أخروية أو دنيوياً انفضوا إليه وتركوك قائماً في مقام التفرد بالعبودية الذاتية لله تعالى.
فقدم في الآية الأولى التجارة على اللهو (وإذا رأوا تجارة أو لهوا)، وأخرها في الآية الثانية، لأن الإشارة فيها إلى تفرد المقام المحمدي في العبودية الخالصة، فقدم أعظم ما يصرف عنها وهو الآخرة، أما الدنيا فهي متاع الغرور لا تساوي مع الآخرة شيئاً، وجاء بالنكرة (تجارة) لتعم كل أنواع التجارة فيدخل فيها ما دق وجل منها، وما بطن و خفي واستكن، وما لم يخل منه مقام إلا مقام عبودية النبي صلى الله عليه وسلم (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين).

والآيات هذه في سورة الجمعة وفيها صلاة الجمعة، وكان جمع الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم ليخطب فيهم ويأمهم في الصلاة، فحدث أن تفرق الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوه قائماً لما جاءت قافلة للتجارة، فهذا سبب النزول، ولم تذكر الآيات ذلك تصريحاً، بل جاءت الآية عامة مطلقة (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا) ولم يقل: ولما رأوا تجارة أو لهواً، لأن المعنى هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية مطلقة عن الزمان والمكان فصارت دالة على الرتبة والمقام، ولذا يقوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة مقام الحمد منفرداً وهو يوم الجمع وهو يوم ظهور المقام المحمدي، ولذا صلاة الجمعة ظهراً وفيه الظهور، وتكون الشمس وقت الظهر في كبد السماء، والشمس يوم القيامة تدنو من رؤوس الخلائق فيقوم صلى الله عليه وسلم للشفاعة منفرداً.
(يا من يقوم مقام الحمد منفردا**للواحد الفرد لم يولد ولم يلد)

فالجمعة إشارة إلى مقام الجمع في المشهد المحمدي، والنبي صلى الله عليه وسلم منفرد بهذا المقام، وما فوق الحقيقة المحمدية إلا الذات الأحدية، وكل من وصل إلى الجمع وصل بواسطته صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة) أي: للدخول للحضرة (من يوم الجمعة) في المشهد المحمدي (فاسعوا إلى ذكر الله) بالفناء فيه والغيبوبة عمن سواه (وذروا البيع) بيع أنفسكم لله بأن لكم الجنة، وأعرضوا عن كل حظ دنيوي وأخروي (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) (فإذا قضيت الصلاة) ورجعتم من الفناء إلى البقاء (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) ارجعوا إلى الفرق والأسباب، فالذين آمنوا معه يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود، (واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون) فإنه (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون) أي: عن كل ما سوى الله تعالى.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد النور الأزلي الجامع والفيض الرحماني الواسع ودليلك الدال بك عليك وحجابك الأعظم القائم لك بين يديك وعلى آله وصحبه في كل لمحة ونفس بعدد كل معلوم لك.