المنهج النبوى فى تربية الأمة

المدينة المنورة قديماً

ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على تزكية أرواحهم وبناء شخصياتهم وتحمل مسئولياتهم الدينية والدنيوية، وأرشدهم إلى الطريق التى تساعدهم على تحقيق ذلك بحثهم على التدبر فى كون الله ومخلوقاته، وفى كتاب الله تعالي، حتى يشعروا بعظمة الخالق وحكمته سبحانه وتعالي، وكذلك بالتأمل فى علم الله الشامل وإحاطته الكاملة بكل ما فى الكون، لأن ذلك يملأ الروح والقلب بعظمة الله، ويطهر النفس من الشكوك والأمراض.

 كما أرشدهم إلى سبل الإخلاص فى عبادة الله عز وجل، وذلك لأنه من أعظم الوسائل لتربية الروح وأجلها قدرا، إذ العبادة غاية التذلل لله سبحانه ولا يستحقها إلا الله وحده ولذلك قال سبحانه: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا أياه» [الإسراء: 23].

ولم يكتف صلى الله عليه وسلم بالحث على العبادات الظاهرة، بل ربى أصحابه كذلك على مكارم الأخلاق بأساليب متنوعة، فالمتدبر للقرآن المكى يجده مليئا بالحث على مكارم الأخلاق وعلى تنقية الروح وتصفيتها من كل ما يعوق سيرها إلى الله تعالي، ورسولنا عليه الصلاة والسلام القدوة الكاملة والمربى الناصح للأمة كان فى غاية الخلق، فعن عائشة رضى الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: «كان خلقه القرآن» [مسند أحمد 6-91].

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض الأخلاق مع العبادة والعقائد فى وقت واحد، لأن العلاقة بين الأخلاق والعقيدة واضحة فى كتاب الله تعالي.

إن الأخلاق ليست شيئا ثانويا فى هذا الدين، وليست محصورة فى نطاق معين من نطاقات السلوك البشري، إنما هى ركيزة من ركائزه، كما أنها شاملة للسلوك البشرى كله كما أن المظاهر السلوكية كلها ذات الصبغة الخلقية الواضحة هى الترجمة العملية للاعتقاد والإيمان الصحيح، لأن الإيمان ليس مشاعر مكنونة فى داخل الضمير فحسب، إنما هو عمل سلوكى ظاهر كذلك، بحيث يحق لنا حين لا نرى ذلك السلوك العملى أو حين نرى عكسه، أن نتساءل: أين الإيمان إذن؟ وما قيمته إذا لم يتحول إلى سلوك؟

وقد اهتمت التربية النبوية بتربية الصحابى على تنمية قدرته فى النظر والتأمل والتفكر والتدبر، لأن ذلك هو الذى يؤهله لحمل أعباء الدعوة إلى الله، فالعقل يعتبر إحدى طاقات الإنسان المهمة، وقد جعله المولى عز وجل مناط التكليف، كما يعتبر العقل نعمة من الله على الإنسان يتمكن بها من قبول العلم واستيعابه، ولذلك وضع القرآن الكريم منهجا لتربية العقل سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لتربية أصحابه.

ومن أهم نقاط هذا المنهج: تجريد العقل من المسلمات المبنية على الظن والتخمين أو التبعية والتقليد. ومنها: إلزام العقل بالتحرى والتثبت. ومنها: دعوة العقل إلى التدبر والتأمل فى نواميس الكون. ومنها: دعوة العقل إلى التأمل فى حكمة ما شرع الله لعباده من عبادات ومعاملات وأخلاق وآداب وأسلوب حياة كامل فى السلم والحرب والإقامة والسفر، لأن ذلك ينضج العقل وينميه، وتعرفه على تلك الحكم يعطيه أحسن الفرص ليطبق الشرع الربانى فى حياته، ولا يبغى عنه حولا، لما فيه من السكينة والطمأنينة والسعادة والبشرية، ولأن الله سبحانه وتعالى إنما شرع ما شرع لذلك. ومنها: دعوة العقل إلى النظر فى سنة الله فى الناس عبر التاريخ البشري: ليتعظ الناظر ويتأمل فى سنن الله فى الأمم والشعوب والدول.

كما حرص النبى صلى الله عليه وسلم على تربية أصحابه جسديا واستمد أصول تلك التربية من القرآن الكريم، بحيث يؤدى الجسم وظيفته التى خلق لها من دون إسراف أو تقتير، ودون محاباة لطاقة من طاقاته على حساب طاقة أخري. فالقرآن الكريم أرشد إلى ما أحله الله من الطيبات: وحثهم على اجتناب ما حرم الله من الخبائث، وأنكر على أولئك الذين يحرمون أبد انهم من تلبية حاجاتها على الوجه المشروع، فقال تعالي: «قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون» (الأعراف: 32)، ولا شك أن الإنسان عندما يلبى حاجاته البدنية فبإمكانه بعد ذلك أداء وظائفه التى كلفه الله بها فى الدنيا من عبادة الله، واستخلاف فى الأرض، واعمار لها، وتعارف وتعاون مع بنى جنسه على البر والتقوي، ولذلك ضبط القرآن الكريم حاجات الجسم البشري، من الطعام والشراب والملبس والمأوى والزواج والتملك والسيادة والعمل والنجاح.

لقد ربى النبى صلى الله عليه وسلم صحابته على المنهج الكريم، منهج تزكية الأرواح، وإصلاح القلوب، وتصفية النفوس، وتنوير العقول، مع المحافظة على الأجساد ورعايتها وتقويتها لإعداد الشخصية الإسلامية الربانية المتوازنة.